كانت الريح التي تولول في الطرقات ذات صباح شتوي مطير وحدها شاهدة علينا ..... وكان عامل الكافتريا ذو الخطوات المسموعة وهو يقترب شاهدا آخر، المح نظرة الاستغراب والدهشة في عينيه ويده التي ترتجف وهو يضع الأقداح في سكون ...وخطواته المضطربة وهو ينصرف في صمت ثم التفاتته المترددة إلى الوراء كل ذلك اخبرني إن ما بداخلي قد استطاع الخروج وارتسم على صفحة وجهي أنهارا من الدموع لم يفلح المنديل الصغير في محوها أو تجفيفها ... لملمت أشيائي الصغيرة على عجل وقلت: آن لنا أن ننصرف .
ردد (عمر ) الجملة خلفي بطريقة آلية: نعم آن لنا أن ننصرف .... لكنه لم ينهض من مكانه ... ولم انهض أنا من مكاني ولفنا صمت جديد ... كنت أريد أن أقول له شيئا بل أشياء عديدة ... لكن الكلام في حلقي احتبس ... أخذت أديم النظر إلى فنجان قهوته الذي لم يمس .... كانت الأبخرة قد كفت عن التصاعد منه وأمسى باردا ككل شيئا بالمكان ... تماما كالكلمات في الدواخل حاصرها الصقيع ولم تقو على الخروج كانت أصابع (عمر ) تروح وتجئ على المنضدة التي تتوسطنا ثم كور علبة السجائر الفارغة في عصبية وألقى بها بعيدا ... هم بالحديث ثم لاذ بالصمت قليلا وهدر صوته بعد ذلك قويا أمرا مشحونا بالانفعال ( سلمى قولي انك تمزحين، أنها مزحة ثقيلة على أية حال ).
تعلقت عيونه بي كان يبحث في قنوط عن شبح ابتسامة وسط الدموع ، كان يبحث عن نظرة شقية ، عن خيط من الأمل الساذج الذي يهدر بداخله .. قلت لنفسي ( ليت الأمر كان مزحة يا عمر ليتني استطيع الابتسام والقهقهة ثم ينتهي كل هذا ).
قلت له بعصبية زائدة( لماذا لا تريد إن تفهم يا عمر ؟ لماذا تتشبث بسراب كاذب .. أنا اكذوبة يا عمر ، محض اكذوبة ومخدر لعين سمم حياتك واخذ منك سبعة
أعوام كاملة وآن لجسدك أن يتحرر من سطوته عليك .. هذا كل ما في الأمر فلماذا لا تريد ان تفهم ايها الطفل الأحمق ؟ لماذا تعذب نفسك وتعذبني معك ؟) .
قال ( عمر ) دون أن يلقي بالا لكلماتي ( لست أنت يا سلمى.. لست أنت من يهرب من ساحة المعركة ويبيع رفاقه بثمن بخس.. عبثا تريدين ان تبزري في هذا القلب بزور كرهك ... أيا كان السبب فان ذلك لن يحدث لن اكف عن حبك مهما فعلت .. بوحي يا سلمى وقولي ما يعذبك .. قولي فلا شئ يستعصي علينا )صرخت في وجهه بهستريا وغضب ( أنت لا تفهم شيئا ولم تفهم أبدا.. سأصعد مشنقتي وحدي .. وحدي ..هل تفهم ؟ أن المحكوم عليه بالإعدام لا يرافقه احد سوى جلاده.. أنا أكرهك واكره شفقتك العاجزة ولا أريدها ببساطة شديدة لدي أب يموت في كل صباح وأنا عاجزة عن فعل شئ له وإخوة صغار تتلوى أمعائهم من الجوع .. وليس لنا مأوى سوى دارمتصدعة لا تمنع المطر ولا يكف مالكها عن الزعيق في كل صباح مطالبا باجرته الحقيرة ومهددا برمينا في الشارع .. وأنت.. أنت لست سوى طفل صغير يأخذ مصروفه من أبيه ويتقافز في مدرجات الجامعة لا يزال وثمة رجل ما في مكان ما بإمكانه أن يضع حدا لكل هذا .. تحلق طائرة وتحمل أبي إلى حيث الجراح الماهر والعناية المدفوعة الثمن ويلقى إخوتي الصغار أسمالهم ويرتدون بدلا عنها ملابس نظيفة جديدة ويعود أبي معافى فيجد دارا جميلة في انتظاره وليس مطلوبا مني في مقابل ذلك سوى إن انسي كل أحلامي وكلماتي الكبيرة البلهاء التي لا تكفي لسداد ثمن وجبة صغيرة من بائع متجول فهل تفهم ؟.إذا كنت أبيع شيئا فانا أبيع شيئا احتكم عليه .. أنا أبيع روحي ولا أبيع أحدا ولا أبيع وطنا ولا أبيع شرفا ولا يوجد في هذه الدنيا من له الحق في منعي من ذلك !! حتى أنت يا عمر !!.)رفعت راسي بعد عباراتي الأخيرة لأحدق في وجه (عمر) كان وجهه شاحبا كوجوه الموتى .. كان اليد ممسكة بموضع القلب .. لم يقل شيئا نهض ببطء كأنه يقاوم شيئا يشده إلى أسفل .. اخذ يترنح كشجرة تلعب بها الريح بقسوة وحين أوشك إن يهوي أرضا داهمني ضعفا ما ..هممت بالنهوض واللحاق به ثم تسمرت في مكاني وأعطيته ظهري .. وكان ذلك أفضل ما فعلت وحين اختفى صوت خطواته تماما مسحت دمعة كانت تنحدر وحملت حقيبتي الصغيرة وخرجت لفحتني نسمة حارة في المخرج تقدمت نحو السيارة الرابضة وفتحت الباب وولجت حين جاءني صوت من الداخل ( هل أنتهى كل شئ ؟) قلت دون ان أدير رأسي ( نعم انتهى كل شئ ) وانطلقت السيارة لا تلوي علي شئ تتلوي كثعبان يتمشي في الحقول .
صلاح الدين سر الختم علي
شندي ... 1998
No comments:
Post a Comment