كانت مضطرة لاستخدام أكثر من قناع وقناع لكي تقوي علي مكابدة الحياة التي أتيحت لها، لم يكن ثمة مفر من الأقنعة التي تكرهها وتمقتها ولاتطيقها في وجوه الناس ولم تكن تتصور يوما أنها ستكون ممن يلجأوون الي إستخدامها، ولكنها الحياة ، تقذف بك دوما في الاتجاه المعاكس لأمانيك ورغباتك وأحلامك،كانت فتاة صغيرة مرحة سليطة اللسان قوية الحضور حيثما حلت، وحيدة لها أخ وحيد،أسرة صغيرة مثالية، أب مرح محب لزوجته وأسرته وأم جميلة الملامح ، أنيقة، باسمة، رشيقة، متأنقة، ودودة، واسعة الصلات في محيطها النسائي والأسري، لذلك كان البيت خلية نحل لاتهدأ، كان الكل يحسدهم ويغبطهم علي تلك الحياة النابضة بالحياة،كان بيتهم ينافس مسرح المدينة في حجم المناسبات التي غصت بها جدرانه الصغيرة وحجم الضحكات والابتسامات والمؤانسات التي شهدتها أركانه،كانت الحياة فيه ربيعا لم يكن أحد يظن انه سيعقبه تقلب فصول أبدا،لكن إنفجار مفاجئ لأطار سيارة مسرعة علي طريق مرور سريع كان حدا فاصلا بين حياتين، ذهبت المتأنقة الباسمة الودودة، واسعة الصلات، وبات البيت الفرح كالقبر في صمته، ذهب البريق معها،أمسي الأب شبحا صامتا وشاخ فجأة، وأنقطع سيل الزائرين،وزحف الصمت اليها والي أخيها،باتت أجمل غرف البيت الصغير _حيث كانت تتزين الودودة الباسمة وتتأنق وتضفر لها جدائلها الصغيرة الجميلة_ باتت الغرفة لاتطاق وتخطي عتبتها أمرا شاقا عليهم جميعا، فأغلقت في خاتمة المطاف وسكنها الصمت والعنكبوت والخوف من الأقتراب منها. هرولت السنين بها حتي ولجت الجامعة، لازال الأب مقيما علي صمته، شاحبا، شحيح الأبتسام والكلام، باتت هي حادة التقاطيع ،حازمة كقائد كتيبة مقاتلة،منغمسة في واجبات أكاديمية لاتنتهي، نظارتها الطبية تعطيها عشر سنوات أضافية لعمرها الحقيقي،لم تستطع كسر صمت فرضته بنفسها علي نفسها تيمنا بصمت أبيها،وحده أحمد كان قادرا علي النفاذ الي منى الباقية بأعماقها متسترة خلف صمت ونظارة وحدة طباع مفتعلة،كان يعرف بطريقة ما كيف يري ماتحت القناع فيها ويحركه، كانت تتوق الي البكاء بلا حدود علي صدره أو صدر أبيها، كانت الدموع ما تزال ساخنة وباقية في محاجر عينيها كما هي لحظة الرحيل، كانت تعرف أنها يجب أن تبكي، أن تطلق لبشريتها وحزنها العنان، فتلك هي الوسيلة الوحيدة للهروب من هوة الصمت ومن قسوة الأقنعة،كانت تتمني لو كانت أمها حية وعاشت معها محنتها فيها، لكانت أمسكتها بيديها الرقيقتين ونظرت في قاع عينيهامباشرة وقالت لها بصوتها الحلو العذب: أبكي ياصغيرتي، أصعدي فوق أعلي البنايات وأبكي بكل قوة تستطيعينها، أبكي حتي تجف الدموع وينفتح صدرك للهواء،أبكي فالقوة في الضعف وليست في التظاهر بالقوة ساعات الضعف،كم أحتجت اليك أمي،تنهدت بصوت مسموع وكان أحمد علي بعد سنتيمترات من رأسها المشغول بالأفكار والصور، ولكنها لم تبح له، أخرجت قناعها من مكان ما، وحولت دفة حديث كاد يفضح هشاشتها الي اتجاه أكاديمي لاروح فيه ولامجال لدموع وشجون، نظر أحمد اليها عميقا وهم بأن يقول شيئا ولكن هاء السكت أصابته فسكت. أنقضت سنوات الجامعة وهما في كر وفر، هو يقترب فتبتعد، يبتعد فيدركها خوف من فقدان آخر شخص ناطق يهتم بأمرها، فتقترب منه خوفا وطمعا، فتنتعش آماله فيقترب، فتمارس الاستغماية وتختبئ بقدر يبقيها تحت بصره وبعيدا بما يكفي عن رؤية دموعها حين تقترب من المحاجر.في خاتمة المطاف، هده الانتظار، فذهب ولم يعد. فغرقت في هوة صمتها، خرجت من الجامعة الي نهر الحياة بشفتين مزمومتين وانطباعات خاطئة كثيرة تحيط بها فتزيد طوق العزلة حولها ،يتجرأ أحدهم فيقترب من حقل ألغامها، فتغالب خيوط عنكبوتها وتحاول الخروج من هوة الصمت والعودة الي بحر الآخرين مجددا،لكن حصانها لايقوي علي إكمال السباق الي نهايته،يسقط الحصان حينا، ويهرب الفارس حينا، وتهرب هي حينا بعد أن يبين لها مضمون الخطاب من عنوانه، يكثر الهمس من حولها، تزداد جدران الصمت سمكا، عقارب الزمن تمضي الي الأمام وهي محلك سر، يجلب أخوها عروسا الي الدار فتصبح سيدة لها،و تبقي غرفة صاحبة الدار الأصلية مسكونة بالعنكبوت والصمت والغبار ولاأحد يجرؤ علي الاقتراب منها، تهرب هي الي غرفة منفصلة في أقصي الدار.تزداد علاقتها قوة بسيارتها وحديقتها الصغيرة التي تهرب اليها من الفضوليون، تتقدم في عملها وفي سنها، يكثر الهمس، تزداد شراسة في ردة فعلها، تهفو في داخلها الي حياة عاشتها أمها،ولاأحد يقترب من وردة ذابلة يحيطها شوك، تزداد شراسة كلما داهمها حنين الي حقها في الحياة.تنفق نهارها في ردود قاسية، وحين يجئ الليل والوحدة تخلع قناعها وتبكي حتي مطلع الشمس بلا أنقطاع ثم تصلي وتنام لتصحو بقناع يوم جديد.صلاح الدين سر الختم علي11/6 / 2012
No comments:
Post a Comment