امرأة نخلة قصة قصيرة بقلم صلاح الدين سر الختم علي
رنين الجرس انتزع عبدالحفيظ من افكاره ... همهم فى سره (لتنم الهواجس قليلا ...اللعنة على كل شئ... ثمة زهور تحتاج ضوء الشمس وخرير المياه تنتظر ... اما الاحلام المتكسرة فبأمكانها الانتظار قليلا ..) لملم دفاتره ... طوى الخريطة الملونة واستدار على مهل ... أخذ صوت الحذاء يرن فى الطرقة الخالية ... زقزقة العصافير على الاغصان فى فناء المدرسة ... صور من الماضى البعيد تتقاطع فى الذهن المكدود .. وحين ولج حجرة الدراسة المكتظة كان صمت عظيم يلفها لا يسمع سوى أزيز المروحة التى تدور دونما كلل متدلية من السقف كبهلوان في سيرك .. انتصب التلامذة وقوفا فى ذات اللحظة التى كانت يده تشير عليهم بالجلوس ... إستدار وفى يده قطعة الطباشير الصغيرة وأنشأ يكتب ومئات العيون الصغيرة يحس بها تخترق ظهره فى فضول ومكر وربما توجس ... بدأ الهمس خافتا ثم أخذ يعلو فيغطى على صوت العصافير ... استدار وقبل ان يكمل استدارته حل الصمت من جديد بغتة .
انتهى من الكتابة اخذت (الخريطة) مكانها المعتاد ... تناول عصا كانت تربض بسكون على جانب السبورة وأنطلق يتحدث ... كانت رائحة البحر ...أصوات السفن المغادرة والقادمة ... ضحكات البحارة ... أصوات النوارس ... ضجيج المحركات تدور فى الذهن وهو يتحدث فى حماسة ... كان العالم كله الآن ملك يديه ... نقاطا صغيرة تتوقف عندها العصا برهة ... ثم ترتحل على عجل كعصفور قلق ... توقفت العصا تماما ... غابت الحجرة والعيون الصغيرة عن ناظريه ... جاءته رائحة الطمى ... صورة أشجار القرض العملاقة المشرئبة على الضفتين ... مواكب الختان المنحدرة من عل على ايقاع دلوكة ما ... العريس الصغير ... صوت طلمبات المياه ... امرأة بقامة نخلة ووجه طفلة فى ثوب زفاف ... ابتسامة ملائكية ... يد صغيرة تلوح بما يشبه الوداع ... الموج يفتح ذراعيه ... خصلات شعرها المبللة بالمياه ... ما يشبه النداء فى عينيها الواسعتين ... ثم غاب كل شئ وبقيت صفحة الماء زرقاء ساكنة وصوت نواح بعيد ...
يوم جئت للدنيا رحل أبوك كأنه يخشى لقاءك ... لم يبق منه الا أشجار النخيل المنتصبة وتواريخ غرسه لها المنحوتة فى ذاكرة الجدة وبقيت امك وحيدة تدفعك بقوة لاكمال تعليمك وتأبي ان تقطعه وعملت كثور في ساقيةفي الحقل وفي البيت ... ويوم خطوت اولى خطواتك فى الجامعة يا عبدالحفيظ عاهدتها وعاهدت نفسك ان تمضي الي الامام دون رجعة ودون تلكوء حتي تحمي اقدامها من التشقق وظهرها من الانحناء ولكن القدر كان يتربص بك ويقطع الطريق عليك تماما كما حدث في صباك حين تعلق قلبك بامرأة نخلة ففتح الموج ذراعيه ذات نهار وأحتواها الى الأبد ... .
أستاذ ... أستاذ ، يعيدك الصوت الي حيث كنت وهمهمة تسرى وعيون صغيرة متسائلة وتعود العصا تدور ... وتتابع الدرس بنصف قلب ونصف عقل ... ودموعك تنهمر اسفل قدميك ... تماما كما أنهمرت ذات يوم حينما جاءك خالك فى الداخلية فى الظهيرة ... كان حوارا قصيرا علمت منه بان نخلتك قد انحنت تحت وطأة المرض ..لم تعدالاشياء هى الاشياء ... كان قلبك الصغير منقبضا دونما سبب ... كانت صورتها تطاردك فى منامك كثيرا فى الايام الماضية ... تأتيك اناء الليل وأطراف النهار ... تبتسم فى وداعة وهى تسرع الخطى نحو وجه أبيك الذى لم يكن واضح المعالم ... لكنك كنت تعرف بشكل ما انه هو ... صار الحلم حقيقة ... وصارت الجامعة سرابا يحسبه الظمأن ماء ... اخواتك فى انتظارك واباك لم يترك سواك وسطهن ... لم يكن لديك خيار كما يحدث وسيحدث دائما لك ... كان لدى خالك ما يكفيه ... لم يكن بوسعه الانتظار أكثر مما يكفي لبحثك عن وظيفة مدرس صغيرة فى مدرسة صغيرة هنالك ... رنين جرس بعيد ... صوت اقدام التلامذة على أرضية الحجرة تصطك بانتظام معلنة إحتجاجا ما ... لملم عبدالحفيظ أوراقه واستدار فى سكون ... وهو يخطو للخارج ... اختلط صوت العصافير برائحة الازهار على الضفتين ... اخذت العصفورة باعلي الشجرة وجه امرأة بقامة نخلة ووجه طفلة ... الموج يفتح ذراعيه ... ضجيج التلامذة أنهارهم المتدفقة تندفع عن يمينه وعن يساره وأمامه و بغتة هدأ كل شئ ، لم يبق إلا رجل وحيد ترن خطواته كناقوس فى الباحة الخالية وصمتت العصافير تماما
صلاح الدين سر الختم علي
شندي 1998
No comments:
Post a Comment