Wednesday, August 28, 2013

الرحيل / قصة قصيرة بقلم / صلاح الدين سرالختم علي



كان ثمة ضوءخافت  ورسالةلم يكمل قراءتهاحين داهمه الحزن عاصفا قويا كشلال مندفع من أعلي جبل، تدفقت الدموع من المآقي وأخذ الجسد ينتفض بشدة كشجرة داهمتها رياح أواسط الخريف بغتة،تمالك نفسه ومسح الدموع المنهمرةبكمه وأنكب علي الرسالةيقرأهامن جديدوهويتمني وجود خطأ ما، اندفع بحماسةبصيص الأمل الذي لاح وأخذ يلتهم السطورالقليلةمن جديدبلهفةوعلي عجل،لكن الأمل سرعان ماتبدد وانهمرت الدموع من جديدوبللت سطورالرسالةوهوذاهل عماحوله، القي الرسالةأرضاومضي كالمجنون يبحث عن الظرف الفارغ الذي كانت بداخله حتي عثرعليه وتناوله واعادقراءةالعنوان المسطورعليه،ولم يبق ثمةأمل في خطأ، هوالرحيل الغامض إذا، هو وجه حبيب آخر طواه الغياب السرمدي وأنضم الي جوقة الاحبة الراحلين، لم يبق سوي الفراغ.، لم يعد أحمد منتميا الي شئ في هذا الكون العريض.. يا للهول!!ضاعت احلامك سدي.. ضاع صوتك: (أنت نخلة.. لا أنت جدول يحمل ماء النيل العذب ويرويني ويحمل معه الخصب لجذوري التي أوشكت علي الذبول.) ضحكت وجاء صوتها لذيذا ونديا كالمطر( أحمد ... كفي شعرا.. الرحيل قد حان)) تقول لها كطفل يتشبث بثوب أمه في خوف :(أنا أخشي هذا الرحيل يا زينب.. اخشاه تماما..أنا بجوارك متصالح مع الأشياء برغم كل شئ...رغم فاقتي المرةوبرغم فقري المدقع...أنا غني بك وحسبي ذلك.) ظلل وجهها حزن عابر... إلتفت يداها حول جذع النخلة العجوز وهي تقول بثقة: ( هكذا الدنيا يا أحمد... رحيل عمن نحب ولقاء من جديد... لا تظن أنني اسعي لهذا الرحيل أو انني لا أتالم له... ولكن.. لا أملك إلا ان اقول ما قاله جدي ذات مرة:( كنا حينما يرحل المطر وتجوع الأرض وتتشقق شفاهها وتهزل أغنامنا، لا نجد عندئذ بدا من قلع أوتا د الخيام ونوغل في الرحيل بما تبقي من زاد حتي ندرك أرضا لم يبارحها المطر وننصب خيامنا فيها ونبدأ من جديد الزراعة والتكاثر بشرا ونباتا وحيوانا حتي يرحل المطر وتجوع الأرض وتتشقق ، فنرحل من جديد.. وهكذا حتي بلغنا هذه الأرض التي يسكنها النهر ولا تجوع لو رحل عنها المطر
ثم قالت :(سافر خلف المطر يا أحمد حتي تجد النهر والأرض التي لاتجوع ابدا،سافر وستجدني  مثل نخلة جدي التي غرسها هناباقية في انتظارك مهما طال الرحيل.. ومهما شح المطر.. سأبقي وأمد جذوري مثلها حتي تبلغ النهر ومن تمتد جذوره في النيل لايموت أبدا)ولكن الرسالة يازينب... الرسالة تقول أن نخلتي هوت علي وجهها وقبلت الأرض للمرة الأخيرة.......وأندفع في البكاء... كانت الغرفة تفوح الان برائحةالحقول وروث البهائم وهديل القماري....وكانت صورتها تتمدد في الفراغ وتملأه.... وجه إمرأة باسمة وجذع نخلة باسقة تطاول عنان السماء..كانت العصافير تغرد في وداعة باعلي النخلة والرطب الأخضر والأصفر يتساقط كحبات المطروكانت دموعه لا تكف عن الانهمار وحروف رسالته الأخيرة اليها تتمدد في الفضاء يكاد رأها  الآن مكتوبة علي جذع النخلة:(هل تذكرين تلك السمكة الصغيرة عند شاطئ النهر؟هل  أ تذكرين كم كانت عيونها حزينة؟) وسؤالي لك:( لم هي حزينة؟)وإجابتك السريعة كطلقة:( لأنها لاتقوي علي الحياة بعيدا عن النهر، هذا الحزن الكبير في عينيها لانها تعلم أنها ستموت حتما منذ اخرجت من الماء مالم تعدها معجزة ما اليه!)حملناها سويا يا زينب حتي الشط ثم القيناها في الماء فأنتفضت في سعادة الي الأعلي كأنها تعبر عن امتنانها ثم غاصت عميقا في الماء واختفت كأنها تخشي أن تطالها يد آدمية ثانية. هل تذكرين كل ذلك؟هذا حالي أنا هنا ...هنا لا نهر نعود اليه فننتفض فرحا ولا عاشقين اسكرهما وجد يأخذان بيدي الي شط آمن..أتنفس غربة وأنام لوعة فمن يعيدك الي النهر يا تري؟!دارت الغرفة بي ودارت الصور في رأسي سريعة وساخنة ومتواترة كشريط سينمائي( زينب هاهي الجامعة قد انطوت سنينها ، فأين المستقر؟)لم تجب علي السؤال بل حملها القطار ذات يوم الي هنالك حيث رائحة الحقول وبيوت الطين وقيزان الرمال وأشجار النخيل والنهروالقمر المنير.. سمكة عادت الي بحرها تنبض بالحياة وبالمعرفة.... اقامت مدرستها في كل مكان يسكنه الحب: في المدرسة وفي ظل النخلة العجوز والبيوت ... صارت ست زينب المهابة وكان الاطفال يتحلقون حولها في محبة ووداعة وأمام كل واحد مجموعة من نوي التمر تعلمهم به الحساب، وكانت المدرسة تمسي عصرا فصلا لمحو الأمية ، كانت حاجة السرة كلما كتبت خطابا لابنها البعيد رفعت ايديها ودعت لزينب التي علمتها الكتابة واراحتها من البحث عمن يكتب لها ويحفظ اسرارها. غافلتتني دمعة وسقطت عند اقدامي بصوت مسموع فانتفضت، لملمت اشيائي الصغيرة وانتصبت واقفا، كان صوتها يأتي من كل المنافذ معبقا برائحة الطمي ( تجدني هنا .... في انتظارك...)حلقت الطا ئرة عاليا صوب الوطن، لم يحجب ازيز المحركات صوتها وهو يجئ من كل ناحية وصوب( في انتظارك..)بات النيل في الاسفل خطا صغيرا متعرجا كثعبان في قلب صحراء لامجال له لاختباء،حطت الطائرة أخيرا وبعد زمن يسير حل محلها صوت القطار الرتيب وهو يشق الطريق بحزم رسول سيقطع السلطان رأسه لو لم تصل الرسالة في وقت مناسب،كان القطار يتلوي ويصرخ بين الفينة والأخري معلنا القدوم تارة والرحيل تارة أخري ولكنه لم يحجب صوتها الذي كان يعلو كلما اقترب القطار من الوصول...( في انتظارك...)بلغ القطار محطته المنشودة،أخذت حقيبتي الصغيرة توكأت علي حزني ونزلت ومضي القطار وضجيجه ولكن القرية نفسها كانت مملوءة بالضجيج وكان صوت النواح عاليا كهدير مظاهرة غاضبة، مضيت أشق الحقول الصامتةالا من الهسيس ونهيق حمار بعيد وكانت الشمس وقتها كرة شاحبةمن النار تهوي رويدا رويدا نحو النهر، وكان النهر ساكنا وغامضا كعادته لا لهفة يبدي ولا إهتماما... اتجهت صوبه أدليت قدمي في الماء وتركت حقيبتي خلف ظهري ولفني سكون،ساهما في البعيد أخذت أرقب الشمس الغاربةوانتظر سقوطها في النهر كما كنا نفعل سويا، وعندما غابت الشمس تماما نهضت في عزم أكيد وأعطيت ظهري للنخيل والبيوت ومضيت أشق النهر خائضا الي الأمام بثقة وخطوات ثابتة مبتسما اقصي حدود الابتسام كلما توغلت بعيدا خلف صوتها...واخذت أغيب رويدا رويدا... والدنيا يلفها سكون.... سكون شامل وغريب والماء يعلو وأنا امشي....

الخرطوم يناير

1996

صلاح الدين سر الختم علي

No comments:

Post a Comment