Wednesday, August 28, 2013

الأشجار تموت واقفة /قصة قصيرة /صلاح الدين سرالختم علي


كانت الريح التي تولول في الطرقات ذات صباح شتوي مطير وحدها شاهدة علينا ..... وكان عامل الكافتريا ذو الخطوات المسموعة وهو يقترب شاهدا آخر، المح نظرة الاستغراب والدهشة في عينيه ويده التي ترتجف وهو يضع الأقداح في سكون ...وخطواته المضطربة وهو ينصرف في صمت ثم التفاتته المترددة إلى الوراء كل ذلك اخبرني إن ما بداخلي قد استطاع الخروج وارتسم على صفحة وجهي أنهارا من الدموع لم يفلح المنديل الصغير في محوها أو تجفيفها ... لملمت أشيائي الصغيرة على عجل وقلت: آن لنا أن ننصرف .
ردد (عمر ) الجملة خلفي بطريقة آلية: نعم آن لنا أن ننصرف .... لكنه لم ينهض من مكانه ... ولم انهض أنا من مكاني ولفنا صمت جديد ... كنت أريد أن أقول له شيئا بل أشياء عديدة ... لكن الكلام في حلقي احتبس ... أخذت أديم النظر إلى فنجان قهوته الذي لم يمس .... كانت الأبخرة قد كفت عن التصاعد منه وأمسى باردا ككل شيئا بالمكان ... تماما كالكلمات في الدواخل حاصرها الصقيع ولم تقو على الخروج كانت أصابع (عمر ) تروح وتجئ على المنضدة التي تتوسطنا ثم كور علبة السجائر الفارغة في عصبية وألقى بها بعيدا ... هم بالحديث ثم لاذ بالصمت قليلا وهدر صوته بعد ذلك قويا أمرا مشحونا بالانفعال ( سلمى قولي انك تمزحين، أنها مزحة ثقيلة على أية حال ).
تعلقت عيونه بي كان يبحث في قنوط عن شبح ابتسامة وسط الدموع ، كان يبحث عن نظرة شقية ، عن خيط من الأمل الساذج الذي يهدر بداخله .. قلت لنفسي ( ليت الأمر كان مزحة يا عمر ليتني استطيع الابتسام والقهقهة ثم ينتهي كل هذا ).
قلت له بعصبية زائدة( لماذا لا تريد إن تفهم يا عمر ؟ لماذا تتشبث بسراب كاذب .. أنا اكذوبة يا عمر ، محض اكذوبة ومخدر لعين سمم حياتك واخذ منك سبعة
أعوام كاملة وآن لجسدك أن يتحرر من سطوته عليك .. هذا كل ما في الأمر فلماذا لا تريد ان تفهم ايها الطفل الأحمق ؟ لماذا تعذب نفسك وتعذبني معك ؟) .
قال ( عمر ) دون أن يلقي بالا لكلماتي ( لست أنت يا سلمى.. لست أنت من يهرب من ساحة المعركة ويبيع رفاقه بثمن بخس.. عبثا تريدين ان تبزري في هذا القلب بزور كرهك ... أيا كان السبب فان ذلك لن يحدث لن اكف عن حبك مهما فعلت .. بوحي يا سلمى وقولي ما يعذبك .. قولي فلا شئ يستعصي علينا )صرخت في وجهه بهستريا وغضب ( أنت لا تفهم شيئا ولم تفهم أبدا.. سأصعد مشنقتي وحدي .. وحدي ..هل تفهم ؟ أن المحكوم عليه بالإعدام لا يرافقه احد سوى جلاده.. أنا أكرهك واكره شفقتك العاجزة ولا أريدها ببساطة شديدة لدي أب يموت في كل صباح وأنا عاجزة عن فعل شئ له وإخوة صغار تتلوى أمعائهم من الجوع .. وليس لنا مأوى سوى دارمتصدعة لا تمنع المطر ولا يكف مالكها عن الزعيق في كل صباح مطالبا باجرته الحقيرة ومهددا برمينا في الشارع .. وأنت.. أنت لست سوى طفل صغير يأخذ مصروفه من أبيه ويتقافز في مدرجات الجامعة لا يزال وثمة رجل ما في مكان ما بإمكانه أن يضع حدا لكل هذا .. تحلق طائرة وتحمل أبي إلى حيث الجراح الماهر والعناية المدفوعة الثمن ويلقى إخوتي الصغار أسمالهم ويرتدون بدلا عنها ملابس نظيفة جديدة ويعود أبي معافى فيجد دارا جميلة في انتظاره وليس مطلوبا مني في مقابل ذلك سوى إن انسي كل أحلامي وكلماتي الكبيرة البلهاء التي لا تكفي لسداد ثمن وجبة صغيرة من بائع متجول فهل تفهم ؟.إذا كنت أبيع شيئا فانا أبيع شيئا احتكم عليه .. أنا أبيع روحي ولا أبيع أحدا ولا أبيع وطنا ولا أبيع شرفا ولا يوجد في هذه الدنيا من له الحق في منعي من ذلك !! حتى أنت يا عمر !!.)رفعت راسي بعد عباراتي الأخيرة لأحدق في وجه (عمر) كان وجهه شاحبا كوجوه الموتى .. كان اليد ممسكة بموضع القلب .. لم يقل شيئا نهض ببطء كأنه يقاوم شيئا يشده إلى أسفل .. اخذ يترنح كشجرة تلعب بها الريح بقسوة وحين أوشك إن يهوي أرضا داهمني ضعفا ما ..هممت بالنهوض واللحاق به ثم تسمرت في مكاني وأعطيته ظهري .. وكان ذلك أفضل ما فعلت وحين اختفى صوت خطواته تماما مسحت دمعة كانت تنحدر وحملت حقيبتي الصغيرة وخرجت لفحتني نسمة حارة في المخرج تقدمت نحو السيارة الرابضة وفتحت الباب وولجت حين جاءني صوت من الداخل ( هل أنتهى كل شئ ؟) قلت دون ان أدير رأسي ( نعم انتهى كل شئ ) وانطلقت السيارة لا تلوي علي شئ تتلوي كثعبان يتمشي في الحقول .
صلاح الدين سر الختم علي
شندي ... 1998

امرأة نخلة قصة قصيرة بقلم صلاح الدين سر الختم علي


رنين الجرس انتزع عبدالحفيظ من افكاره ... همهم فى سره (لتنم الهواجس قليلا ...اللعنة على كل شئ... ثمة زهور تحتاج ضوء الشمس وخرير المياه تنتظر ... اما الاحلام المتكسرة فبأمكانها الانتظار قليلا ..) لملم دفاتره ... طوى الخريطة الملونة واستدار على مهل ... أخذ صوت الحذاء يرن فى الطرقة الخالية ... زقزقة العصافير على الاغصان فى فناء المدرسة ... صور من الماضى البعيد تتقاطع فى الذهن المكدود .. وحين ولج حجرة الدراسة المكتظة كان صمت عظيم يلفها لا يسمع سوى أزيز المروحة التى تدور دونما كلل متدلية من السقف كبهلوان في سيرك .. انتصب التلامذة وقوفا فى ذات اللحظة التى كانت يده تشير عليهم بالجلوس ... إستدار وفى يده قطعة الطباشير الصغيرة وأنشأ يكتب ومئات العيون الصغيرة يحس بها تخترق ظهره فى فضول ومكر وربما توجس ... بدأ الهمس خافتا ثم أخذ يعلو فيغطى على صوت العصافير ... استدار وقبل ان يكمل استدارته حل الصمت من جديد بغتة .
انتهى من الكتابة اخذت (الخريطة) مكانها المعتاد ... تناول عصا كانت تربض بسكون على جانب السبورة وأنطلق يتحدث ... كانت رائحة البحر ...أصوات السفن المغادرة والقادمة ... ضحكات البحارة ... أصوات النوارس ... ضجيج المحركات تدور فى الذهن وهو يتحدث فى حماسة ... كان العالم كله الآن ملك يديه ... نقاطا صغيرة تتوقف عندها العصا برهة ... ثم ترتحل على عجل كعصفور قلق ... توقفت العصا تماما ... غابت الحجرة والعيون الصغيرة عن ناظريه ... جاءته رائحة الطمى ... صورة أشجار القرض العملاقة المشرئبة على الضفتين ... مواكب الختان المنحدرة من عل على ايقاع دلوكة ما ... العريس الصغير ... صوت طلمبات المياه ... امرأة بقامة نخلة ووجه طفلة فى ثوب زفاف ... ابتسامة ملائكية ... يد صغيرة تلوح بما يشبه الوداع ... الموج يفتح ذراعيه ... خصلات شعرها المبللة بالمياه ... ما يشبه النداء فى عينيها الواسعتين ... ثم غاب كل شئ وبقيت صفحة الماء زرقاء ساكنة وصوت نواح بعيد ...
 يوم جئت للدنيا رحل أبوك كأنه يخشى لقاءك ... لم يبق منه الا أشجار النخيل المنتصبة وتواريخ غرسه لها المنحوتة فى ذاكرة الجدة وبقيت امك وحيدة تدفعك بقوة لاكمال تعليمك وتأبي ان تقطعه وعملت كثور في ساقيةفي الحقل وفي البيت ... ويوم خطوت اولى خطواتك فى الجامعة يا عبدالحفيظ عاهدتها وعاهدت نفسك ان تمضي الي الامام دون رجعة ودون تلكوء حتي تحمي اقدامها من التشقق وظهرها من الانحناء ولكن القدر  كان يتربص بك ويقطع الطريق عليك تماما كما حدث في صباك حين تعلق قلبك بامرأة نخلة ففتح الموج ذراعيه ذات نهار وأحتواها الى الأبد ... .
أستاذ ... أستاذ ،  يعيدك الصوت الي حيث كنت وهمهمة تسرى وعيون صغيرة متسائلة وتعود العصا تدور ... وتتابع الدرس بنصف قلب ونصف عقل ... ودموعك تنهمر اسفل قدميك ... تماما كما أنهمرت ذات يوم حينما جاءك خالك فى الداخلية فى الظهيرة ... كان حوارا قصيرا علمت منه بان نخلتك قد انحنت تحت وطأة المرض ..لم تعدالاشياء هى الاشياء ... كان قلبك الصغير منقبضا دونما سبب ... كانت صورتها تطاردك فى منامك كثيرا فى الايام الماضية ... تأتيك اناء الليل وأطراف النهار ... تبتسم فى وداعة وهى تسرع الخطى نحو وجه أبيك الذى لم يكن واضح المعالم ... لكنك كنت تعرف بشكل ما انه هو ... صار الحلم حقيقة ... وصارت الجامعة سرابا يحسبه الظمأن ماء ... اخواتك فى انتظارك واباك لم يترك سواك وسطهن ... لم يكن لديك خيار كما يحدث وسيحدث دائما لك ... كان لدى خالك ما يكفيه ... لم يكن بوسعه الانتظار أكثر مما يكفي لبحثك عن وظيفة مدرس صغيرة فى مدرسة صغيرة هنالك ... رنين جرس بعيد ... صوت اقدام التلامذة على أرضية الحجرة تصطك بانتظام معلنة  إحتجاجا ما ... لملم عبدالحفيظ أوراقه واستدار فى سكون ... وهو يخطو للخارج ... اختلط صوت العصافير برائحة الازهار على الضفتين ... اخذت العصفورة باعلي الشجرة وجه امرأة بقامة نخلة ووجه طفلة ... الموج يفتح ذراعيه ... ضجيج التلامذة أنهارهم المتدفقة تندفع عن يمينه وعن يساره وأمامه و بغتة هدأ كل شئ ، لم يبق 
إلا  رجل وحيد ترن خطواته كناقوس فى الباحة الخالية  وصمتت العصافير تماما

 صلاح الدين سر الختم علي
شندي 1998

الرحيل / قصة قصيرة بقلم / صلاح الدين سرالختم علي



كان ثمة ضوءخافت  ورسالةلم يكمل قراءتهاحين داهمه الحزن عاصفا قويا كشلال مندفع من أعلي جبل، تدفقت الدموع من المآقي وأخذ الجسد ينتفض بشدة كشجرة داهمتها رياح أواسط الخريف بغتة،تمالك نفسه ومسح الدموع المنهمرةبكمه وأنكب علي الرسالةيقرأهامن جديدوهويتمني وجود خطأ ما، اندفع بحماسةبصيص الأمل الذي لاح وأخذ يلتهم السطورالقليلةمن جديدبلهفةوعلي عجل،لكن الأمل سرعان ماتبدد وانهمرت الدموع من جديدوبللت سطورالرسالةوهوذاهل عماحوله، القي الرسالةأرضاومضي كالمجنون يبحث عن الظرف الفارغ الذي كانت بداخله حتي عثرعليه وتناوله واعادقراءةالعنوان المسطورعليه،ولم يبق ثمةأمل في خطأ، هوالرحيل الغامض إذا، هو وجه حبيب آخر طواه الغياب السرمدي وأنضم الي جوقة الاحبة الراحلين، لم يبق سوي الفراغ.، لم يعد أحمد منتميا الي شئ في هذا الكون العريض.. يا للهول!!ضاعت احلامك سدي.. ضاع صوتك: (أنت نخلة.. لا أنت جدول يحمل ماء النيل العذب ويرويني ويحمل معه الخصب لجذوري التي أوشكت علي الذبول.) ضحكت وجاء صوتها لذيذا ونديا كالمطر( أحمد ... كفي شعرا.. الرحيل قد حان)) تقول لها كطفل يتشبث بثوب أمه في خوف :(أنا أخشي هذا الرحيل يا زينب.. اخشاه تماما..أنا بجوارك متصالح مع الأشياء برغم كل شئ...رغم فاقتي المرةوبرغم فقري المدقع...أنا غني بك وحسبي ذلك.) ظلل وجهها حزن عابر... إلتفت يداها حول جذع النخلة العجوز وهي تقول بثقة: ( هكذا الدنيا يا أحمد... رحيل عمن نحب ولقاء من جديد... لا تظن أنني اسعي لهذا الرحيل أو انني لا أتالم له... ولكن.. لا أملك إلا ان اقول ما قاله جدي ذات مرة:( كنا حينما يرحل المطر وتجوع الأرض وتتشقق شفاهها وتهزل أغنامنا، لا نجد عندئذ بدا من قلع أوتا د الخيام ونوغل في الرحيل بما تبقي من زاد حتي ندرك أرضا لم يبارحها المطر وننصب خيامنا فيها ونبدأ من جديد الزراعة والتكاثر بشرا ونباتا وحيوانا حتي يرحل المطر وتجوع الأرض وتتشقق ، فنرحل من جديد.. وهكذا حتي بلغنا هذه الأرض التي يسكنها النهر ولا تجوع لو رحل عنها المطر
ثم قالت :(سافر خلف المطر يا أحمد حتي تجد النهر والأرض التي لاتجوع ابدا،سافر وستجدني  مثل نخلة جدي التي غرسها هناباقية في انتظارك مهما طال الرحيل.. ومهما شح المطر.. سأبقي وأمد جذوري مثلها حتي تبلغ النهر ومن تمتد جذوره في النيل لايموت أبدا)ولكن الرسالة يازينب... الرسالة تقول أن نخلتي هوت علي وجهها وقبلت الأرض للمرة الأخيرة.......وأندفع في البكاء... كانت الغرفة تفوح الان برائحةالحقول وروث البهائم وهديل القماري....وكانت صورتها تتمدد في الفراغ وتملأه.... وجه إمرأة باسمة وجذع نخلة باسقة تطاول عنان السماء..كانت العصافير تغرد في وداعة باعلي النخلة والرطب الأخضر والأصفر يتساقط كحبات المطروكانت دموعه لا تكف عن الانهمار وحروف رسالته الأخيرة اليها تتمدد في الفضاء يكاد رأها  الآن مكتوبة علي جذع النخلة:(هل تذكرين تلك السمكة الصغيرة عند شاطئ النهر؟هل  أ تذكرين كم كانت عيونها حزينة؟) وسؤالي لك:( لم هي حزينة؟)وإجابتك السريعة كطلقة:( لأنها لاتقوي علي الحياة بعيدا عن النهر، هذا الحزن الكبير في عينيها لانها تعلم أنها ستموت حتما منذ اخرجت من الماء مالم تعدها معجزة ما اليه!)حملناها سويا يا زينب حتي الشط ثم القيناها في الماء فأنتفضت في سعادة الي الأعلي كأنها تعبر عن امتنانها ثم غاصت عميقا في الماء واختفت كأنها تخشي أن تطالها يد آدمية ثانية. هل تذكرين كل ذلك؟هذا حالي أنا هنا ...هنا لا نهر نعود اليه فننتفض فرحا ولا عاشقين اسكرهما وجد يأخذان بيدي الي شط آمن..أتنفس غربة وأنام لوعة فمن يعيدك الي النهر يا تري؟!دارت الغرفة بي ودارت الصور في رأسي سريعة وساخنة ومتواترة كشريط سينمائي( زينب هاهي الجامعة قد انطوت سنينها ، فأين المستقر؟)لم تجب علي السؤال بل حملها القطار ذات يوم الي هنالك حيث رائحة الحقول وبيوت الطين وقيزان الرمال وأشجار النخيل والنهروالقمر المنير.. سمكة عادت الي بحرها تنبض بالحياة وبالمعرفة.... اقامت مدرستها في كل مكان يسكنه الحب: في المدرسة وفي ظل النخلة العجوز والبيوت ... صارت ست زينب المهابة وكان الاطفال يتحلقون حولها في محبة ووداعة وأمام كل واحد مجموعة من نوي التمر تعلمهم به الحساب، وكانت المدرسة تمسي عصرا فصلا لمحو الأمية ، كانت حاجة السرة كلما كتبت خطابا لابنها البعيد رفعت ايديها ودعت لزينب التي علمتها الكتابة واراحتها من البحث عمن يكتب لها ويحفظ اسرارها. غافلتتني دمعة وسقطت عند اقدامي بصوت مسموع فانتفضت، لملمت اشيائي الصغيرة وانتصبت واقفا، كان صوتها يأتي من كل المنافذ معبقا برائحة الطمي ( تجدني هنا .... في انتظارك...)حلقت الطا ئرة عاليا صوب الوطن، لم يحجب ازيز المحركات صوتها وهو يجئ من كل ناحية وصوب( في انتظارك..)بات النيل في الاسفل خطا صغيرا متعرجا كثعبان في قلب صحراء لامجال له لاختباء،حطت الطائرة أخيرا وبعد زمن يسير حل محلها صوت القطار الرتيب وهو يشق الطريق بحزم رسول سيقطع السلطان رأسه لو لم تصل الرسالة في وقت مناسب،كان القطار يتلوي ويصرخ بين الفينة والأخري معلنا القدوم تارة والرحيل تارة أخري ولكنه لم يحجب صوتها الذي كان يعلو كلما اقترب القطار من الوصول...( في انتظارك...)بلغ القطار محطته المنشودة،أخذت حقيبتي الصغيرة توكأت علي حزني ونزلت ومضي القطار وضجيجه ولكن القرية نفسها كانت مملوءة بالضجيج وكان صوت النواح عاليا كهدير مظاهرة غاضبة، مضيت أشق الحقول الصامتةالا من الهسيس ونهيق حمار بعيد وكانت الشمس وقتها كرة شاحبةمن النار تهوي رويدا رويدا نحو النهر، وكان النهر ساكنا وغامضا كعادته لا لهفة يبدي ولا إهتماما... اتجهت صوبه أدليت قدمي في الماء وتركت حقيبتي خلف ظهري ولفني سكون،ساهما في البعيد أخذت أرقب الشمس الغاربةوانتظر سقوطها في النهر كما كنا نفعل سويا، وعندما غابت الشمس تماما نهضت في عزم أكيد وأعطيت ظهري للنخيل والبيوت ومضيت أشق النهر خائضا الي الأمام بثقة وخطوات ثابتة مبتسما اقصي حدود الابتسام كلما توغلت بعيدا خلف صوتها...واخذت أغيب رويدا رويدا... والدنيا يلفها سكون.... سكون شامل وغريب والماء يعلو وأنا امشي....

الخرطوم يناير

1996

صلاح الدين سر الختم علي

Tuesday, August 27, 2013

الصــرخــــة/ قصة قصيرة/ صلاح الدين سر الختم علي


كنت وحدك ، كبقعة ضوء صغيرة في الظلام – تضرب علي غير هدي – توسع الخطي إلي الأمام دون أن ترفع رأسك عن الأرض، كان أديم الأرض أحمراً قاتماً بلون الدم ، وكنت أكيداً إن السماء نفسها لابد قد أمست قاتمة اللون في ذلك المساء ، كنت تشعر بالسائل اللزج حاراً لافحاً علي وجهك ولا تجرؤ أن تمد يدك وتزيله أبداً بل توسع الخطي بلا هوادة والصرخة تدوي خلفك في الفضاء الواسع ولا تنتهي أبداً أو كلما أوغلت خطاك بعيداً أزداد الصوت قوة وكأنه ينبع من مكان ما داخلك أنت ..عندها ارتفعت يداك في عفوية وأغلقت أذنيك بكلتا يديك ولم يتوقف الصوت فتسارعت خطاك حتي أصبحت تركض الآن ، تركض بقوة ، وتضرب بقدميك علي الأرض بكل ما تلك من قوة حتي لا تسمع شيئاً عدا وقع أقدامك... لكنك لا تسمع شيئاً سوي صرخته المدوية المستغيثة بالعدم فتتوقف في قنوط وتنظر حواليك في هلع حقيقي ثم تتهاوي أرضاً خائراً القوي حين ترتطم بالارض بقوة يخفت الصوت لبرهة يسيرة وتلتمع المدية علي الأرض ... يرتد إليك البصر علي عجل ... تدير وجهك بعيداً ...فيعود الصوت بقوة من جديد ... تلتفت ثانية ناحية المدية الملطخة بالدماء ... تنتصب المدية واقفة علي أربع .... تكبر شيئاً فشيئاً وتتجه نحوك مشرعة ... يلتمع ضوء القمر علي حافتها الحادة ... تنطلق الصرخة من داخلك ... وتنطلق راكضاً علي عجل دون أن تلتفت إلي الوراء ... يسقط شئء ما ... لا تكترث له و تواصل ركضك المجنون ... ثم يغيم كل شيء أمام ناظريك وتترنح قبل أن تهوي تماماً ويغيب الكون حولك في ظلام دامس. وحين افقت كان المكان مختلفاً ... كان ثمة قضبان حديدية وأرضية صلبة وظهر شرطي منتصب أمامك ، أدرت بصرك في المكان ثم امسكت بالقضبان الحديدية بقوة واخذت في الصراخ ، استدار الشرطي الجالس علي عجل و ترك ما في يده ونهض أقبل نحوك بوجه متجهم وقبل ان تنبس ببنت شفة إحتبس الكلام في حلقك وأنشات تحدق في رعب خلف أكتاف الشرطي .كانت المدية هنالك حيث كان يجلس وكانت حافتها تلتمع كبرق في ليلة ماطرة ثم أستوت علي اربع وأخذت توسع الخطي صوبك من جديد وكان الدم يسيل من اشداقها بلا إنقطاع فانطلقت صرختك عالية مدوية ولم تعد تشعر  بشيء  آ خر خاتمة :-كان ثمة رجل ممدد علي عربة الإسعاف مقيداً من جميع الأطراف ... وكان الشرطي يقول لأحد زملائه في لا مبالاة ( قتل أخيه ثم ... ) وانطلقت العربة بعيداً عن الأبصار حتي غابت في الزحام .
بقلم/ صلاح الدين سر الختم عليكتبت في العام 1996 مدينة شنديونشرت لاول مرة بصحيفة قلب الشارعفي العام نفسه

يوميات سميرة / قصة قصيرة/ صلاح الدين سر الختم على


كانت الريح تولول وحجارة الأرصفة تتملل في قلق ، ثمة كلب هزيل ضامر يهرول وحيداً عابراً الشارع المقفر ... إرتفعت أذنا القطة ... انتصب شعرها ... تأهبت للنزال ... وحين كاد ت أن تموء كان الكلب قد عبر الشارع تماماً إلي الجانب الآخر دون أن يعيرها إلتفاتاً فاسترخت وتمطت ، كانت (سميرة ) تراقب المشهد في إهتمام وحين أقعي الكلب في ظل شجرة اللبخ العملاقة وتدلي لسانه وتمطت القطة في كسل وهي لا تزال ترقبه في تحفز عندها أيقنت ( سميرة ) أن ثمة هدنة غير معلنة قد بدأت فتوقفت عيونها الصغيرة عن التنقل بين جانبي الشارع وقد فقدت الأمل في مشاهدة المعركة المعتادة بين الغريمين اللدودين و عادت سميرة إلي الواقع فأكتشفت أن ثمة صراخ طويل في دواخلها و ثمة إمعاء تتلوي في إصرار لا يجدي معه أي تجاهل مصطنع ، وحين تجوع ( سميرة ) فإن العالم يبدو لها حينها قاسياً وتشعر أنها وحيدة وتعيسة فتنتصب واقفة وتجول بعينيها في كل الاتجاهات ، وحين تسمع وقع أقدام تقترب من ناحية الشارع تثبت نظراتها بإتجاه القادم ... كان رجلاً بديناً قصيراً ذو رأس صغير لا يتناسب مع بدانته وكان يمشي متمهلاً وعلي وجهه إمارات الدعة .... تهلل وجه سميرة و هرولت صوبه قبل أن يبلغها ومدت يدها في صمت في البدء وعلي وجهها إنكسار عظيم ... لم يأبه الرجل بها وواصل سيره كأنه لم ير شئيا علي الإطلاق حتي تخطاها تماماً ، لحقت به ثانية وهي تتمتم هذه المرة بصوت خفيض يكاد يكون باكياً ( أنا جائعة جداً يا عمي ... لم آكل شيئاً ) فأنتهرها الرجل بصوت غليظ ودفعها بيده بعيداُ عن طريقه كما يهش المرء ذبابة ملحاحة وواصل سيره ... تعثرت ( سميرة ) وكادت أن تقع علي الأرض لكنها تمالكت نفسها في آخر لحظة وتفادت السقوط .... وحين رفعت وجهها كان ظهر الرجل البدين منتصباً أمامها كجدار عريض وهو يوسع الخطي إلي الأمام – همت باللحاق به من جديد حين لمحت الحجر علي الأرض والتمعت في ذهنها الفكرة فجأة فلم تتردد ... تناولت الحجر وفي اللحظة التالية كان الحجر قد حط علي الظهر العريض أسفل الرقبة تماماً وأنطلقت الصرخة وقبل أن يستدير الرجل كانت ( سميرة ) تركض كأرنب بري وهي تلوذ بالفرار وعلي وجهها الصغير إبتسامة ماكرة .عندما ابتعدت عن البدين بما يكفي وغاب عن بصرها وجهه المكتنز المنتفخ الأوداج وهو يهرول خلفها .... عندها توقفت سميرة لتلتقط أنفاسها. كانت جائعة فأمست جائعة ومتعبة وظمآي وفوق ذلك خائفة ، فقد كانت مؤقنة تماماً أن ذلك الرجل لو لحق بها أو وقعت عيناه عليها ثانية سيدهسها دهساً كما تدهس شاحنة قطة او كلبا عابرا ... لكن الشارع كان خالياً تماماً ....فتسللت إليها بعض الطمأنينة وعندها بدأت الامعاء تتلوي ثانية فألتمعت دموع في العيون الصغيرة و هرولت سميرة الي الأماموهي تدير البصر في كل الاتجاهات وعندها لمحت عيناها شئيا فأعادت النظر من جديد ، ثمة طاولة خشبية عتيقة يقف أمامها رجل ما و خلفها رجل آخر و كان النقاش دائراً بين الاثنين عندما تسللت سميرة في سكون نحو هدفها و يدها تقترب في حذر .... تقترب حتي أمسكت أصبع الموز في يدها الصغيرة ولكنها عندما ارادت استعادتها لم تستطع ، شيء يشبه مقبضاً حديدياً كان مطبقا على يدها الان بقوة و قبل ان ترفع الرأس الصغير لترى صاحب القبضه الحديدية هوت على الوجه لطمة قويه و دارت الدنيا بسميرة .... لم تعد تري شيئاً و لكنها سمعت عبارات الاحتجاج الغاضبة من شخص ما و لم تكن العبارات موجهة لها بل كانت موجهة لصاحب القبضة الحديدية واللطمة ... تراخت القبضة رويداً رويداً عن يدها و بغتة عادت اليد حرة تماماً ... لم تكن تفكر في أكثر من القرار والنجاة بجلدها فأستدارت لتركض ولكن اعترضتها يد أخري رقيقة و عندما رفعت البصر لتنظر إلي صاحبها فوجئت بأن أنفها ينزف بغزارة و الدم في كل مكان ... امتدت اليد الرقيقة و شرعت في مسح الدماء و سمعت صوت صاحبها ينتهر البائع من جديد قائلا أسرع بالماء أيها المتوحش ) فوقف البائع كالابله لبرهة يسيرة فاغراً فاهه في تعاسة فإرتفع الصوت الآمر مرة أخري فهرول البائع كالمسوس و باياد مرتجفة تناول كوباً من الماء قدمه لصاحب النيرة الآمرة ، كانت سميرة تبكي ، سميرة صغيرة لكنها لا تحب البكاء خاصة إذا كانت الدماء تسيل منها فأخذت ترتعش و اليد الحانية تروح وتجيء علي وجهها بلطف وهي مستسلمة في سكون و كانت دموعها تتزايد كلما مستها اليد الرقيقة فسميرة لا تتذكر متي حدث لها مثل ذلك من قبل ، تتذكر فقط أنها تجول في الشوارع فتطاردها الشتائم ( ايتها المتشردة القذرة ) ... ( أيتها اللصة ) ... ثم الصفعات .... ثم الركض بأقصي ما تستطيع بعيدا عن الأيدي الفظة وعندما تتوقف تري طفلاً يقوده أبوه و عندما يمسح الأب علي شعره ويقبله ويبتسم الطفل في وداعة تبكي سميرة وتتساءل أن أبي ؟ تحاول أن تتذكرشئيا عنه و لكن الذاكرة الصغيرة ليس فيها سوي الركض والمطاردات ومشاوير التنقيب عن لقمة في أكياس القمامة ... لا شيء آخر ... وعندما ترهقها محاولات تذكر ملامح وجه ابيها وبدون ان تدري السبب تأخذ حجراً و تقذفه بإتجاه الطفل وتركض هاربة ،كانت سميرة تبكي بإصرارالآن فقد كانت تعلم أنها لو كفت علي البكاء فأن اليد الرقيقة ستكف عن العبث شعرها المتسخ وتكف عن ملامسة وجهها برقة ، لم تعد سميرة جائعة الان ، كان كل ما ترجوه إدامة تلك اللحظة الي اطول مدي ممكن، توقفت اليد عن العبث بشعرها وغابت قليلاً ثم عادت ممدودة باصبع من الموز ... هزت سميرة رأسها و عادت للبكاء بصوت أعلي فعادت اليد ملحاحة ممتدة بأصبع الموز و كانت جائعة فالتهمته و عادت اليد ثانية و ثالثة وسميرة تلتهم بشراهة ثم أستدار صاحب اليد .وأعطاها ظهره وبدأ في و سميرة مذهولة ويائسة والخطوات تبتعد ، سميرة تركض وتلحق بالرجل وتصرخ: ( خذني معك... أريد أبا ... )ثم شرعت في البكاء و تعلقت به بقوة فأارتسمت الحيرة علي الوجه ... صمت طويلاً ثم أخذ يدها وأخذ يسير وهي بجانبه ، كانت سميرة سعيدة و كان الرجل غارقاً في أفكار عميقة .... كان الشارع خالياً ... الريح لم تعد تولول ... حجارة الأرصفة كفت عن التململ ....و كان اللكلب الضامر غارقاً في نوم عميق .... القطة تتمطي في كسل وعيونها ما تزال مثبتة عليه . صلاح الدين سر الختم شندي1998م

Saturday, August 24, 2013

الدائرة والمهد / قصة قصيرة/ بقلم صلاح الدين سر الختم على



تنفتح الذاكرة ليلا عليها دائما بإصرار، تزورني في منامي بإلحاح مطرقة تعمل علي تطويع الحديد، تتحين الليالي المقمرة حين يصفو الذهن وتكثر المسرات فتبدو حصة إضافية لمسرات اليقظة تجعل من النوم مسرة يتمني صاحبها أن تدوم إلي الأبد.لكن لعل كل مسرة تعقبها حسرة، فسرعان ما أفيق وذاكرتي بيضاء كشجرة حراز خاوية من الاوراق في موسم قحطها، تمسي الذاكرة في اليقظة خالية من كل التفاصيل والصور التي تزحم شاشتي ليلا، حتي أنني فكرت ذات مرة في استعارة رادار شرطة المرور لضبط مرورها بذاكرتي واعتقال التفاصيل الهاربة التي لايبقي منها سوي تلك الرائحةوذلك الشعور، فالشئ الوحيد الذي كنت قادرا علي تذكره حين افيق هو أنني كنت سعيدا ومطمئنا طوال وجودها بقربي حتي أكاد أشم رائحة سعادتي وتلاحقني في اليقظة متذكرا أنها لم تقل شئيا أبدا،ولكنها كانت تتدفق أمام ناظرى كنهر نشوان من أقصي الغابة يندلق، كنت أعرف بطريقة ما أنها امرأة اعرفها وأعرف من تكون ولكن ملامحها تتوزع وتختلط عمدا وعنوة بوجوه كثيرة وملامح عديدة حتي لا أعود أعرف من هى، اعرف فقط أنها تريد قول شئ ولكنها تفضل الا تقول أو لاتستطيع ذلك، وأعرف أننى أتوق لتبين هويتها ولا أستطيع فك شيفرتها، وما بين رغبتها في البوح وصمتها وما بين فضولي وغموضها تتلاشي هي وتمسي دائرة صغيرة خلفها سقوط حجر في بحيرة، ورأيت فيما رأيت رجالا يرتدون ثيابا بيضاء يقبلون عليها رويدا رويدا في شكل دائرة تضيق شيئا فشيئا وهي تبتسم في رضا،فصرخت دون تبصر: الحياة بدونك مستحيلة فلم ترحلين؟!لم يبد عليها انها تسمعني وأبتسمت حتي بانت نواجذها كهلال صغير حط فوق ثغرها وبدت كشئ مستحيل وعسير علي الوصف،قلت بلا وعي ولامعني: بوحى.. بوحى سيدتى فقد تشفي جروحى)لم يجبنى سوى الصمت، أتسعت عيناهاوأخذ حاجباها شكل الهلال فاكتملت الدائرة ما بين عينيها وأسنانها وبات وجهها دائرة صغيرة والعينان دائرتان صغيرتان داخل الدائرة الكبري، باتت السماء الرحيبة دائرة أكبر تحتويها برقة كأنها تود أن تضمها بأغماض جفنيها عليها، وجدتني أركض وأهوي في دوامة لاقرار لها تجذبنى الى أسفل بينما دائرتى تصعد نحو السماء كبالون أطلقه طفل، وفجأة أمست الهوة من تحتى مهدا مصنوعا من الازهار وجريد نخل أخضر، وجدتني طفلا عاريا راقدا علي ظهره فوق المهد الذي يمشى الهوينا فوق سطح الماء وعينا الطفل شاخصتان نحو السماء... المهد يمشى والسماء تفتح ذراعيها والدائرة تتسع وترقي نحو السماء والمهد يمشى والطفل عيناه شاخصتان نحو السماء.... وحين كاد رمشا السماء أن ينطبقا نبتت للمهد أجنحة وحلق إلي الأعلي...... وغامت الأشياء................صلاح الدين سر الختم علي21/ فبراير /2011

الرجل والكلب /قصة قصيرة/بقلم صلاح الدين سر الختم على



كان (حسن ) الكهل النشيط الذي تجاوز السبعين هو عقدة القرية و أزمتها الدائمة، فكل القرية تقريبا عدا رهط يسير كانت تناصبه العداء وتسعي للتخلص منه كما فعل قسم منها في ماض قريب حين أجبروه علي الرحيل من بقعته التي نشأ فيها بصلح جائر فرضوا فيه شروطهم عليه وخلصوا منه القديم والجديد فيه علي حد تعبيرهم حين حانت لهم الفرصة لما ضبط بتهمة اعتداء بدني ثابتة علي صبيان وجدهم في زرعه، فخيروه بين سجن وشيك أو رحيل قسري فاختار الأخير وخرج منكسرا قبل خمس وعشرين عاما ولم يعد،كان أهل القرية لديه هو كلهم أعداء، لاأحد يتذكر متي ولماذا بدأ ذلك ولكن الأمور ظلت هكذا وازدادت بعد واقعة الترحيل القسري،وظل حسن وزوجته وكلابه في جانب والقرية كلها في جانب آخر ، طرفا نقيض لايلتقيا أبدا، هو ينحدر من عائلةقديمة الجذور في المكان يتميز المنحدرون منها بالذكاء الوقاد ويشكون من العشي الليلي المتوارث ، لذلك لم يبق منهم كثير في القرية وتسربوا واحدا تلو الآخر عبر بوابة التعلم الي مدن بعيدة ومواقع جديدة وبقي (حسن) كما يقول حارسا للعقاب_ أي البقية_ والرهاب في بلد تشكو التصحر ويشكو فيها من غلظة الجيران،كان (حسن العقاب*) رجلا غريب الاطوار ميالا للشجار اللفظي والشكوي والتقاضي في( الهينة والقاسية) علي حد تعبير الأهالي، فما يكاد أحدهم تطأ قدمه صدفة او عمدا ارض حسن الباقية وسطهم مثل مسمار جحا كما قال عنها أحد الساخرين، الا وكان نصيب ذلك الغاشي الماشي شكوي عاجلة تقوده الي قسم الشرطة ومن بعده المحكمة البعيدة في رحلات مكوكية ذهابا وأيابا مع حسن الذي يدمن التقاضي ومشاويره ومشاقه ولايكل ولايمل منه، بل يدبج القصائد العصماء في وصف رحلاته واخبار غزواته القضائية ولاتجدي معه جلسات الاجاويد وخطبهم الطويلة ولا معاهدات الصلح ولا تثنيه خسارة للقضية والويل للخصم في كل الاحوال :أن هو صالحه فقد فتح علي نفسه أبوابا جديدة وادعاءات لاتنتهي وقصائد تجعل منه مسخرة في البلدة، وان تعنت ناله تعب ونصب من رحلات لاتنتهي وقضايا كموج البحر كل موجة تعقبها اخري أقوي وأشد..كانت أمرأته هي شاهده الوحيد الدائم أذا لم يظفر بشاهد.وكانت لها هي الاخري جولات تقاضي مماثلة تستعين به فيها شاهدا ، خاصة في حوادث قذف الصبية لهما بالحجارة بتحريض اهلهم كما يزعمان أو تأثرا بهم وبمناصبتهم لهما العداء. والغريب ان زوجته لم تسلم منه فكان لها نصيب هي الاخري وحكي الناس قصة مثيرة مفادها أنها ضاقت ذرعا باهتمام حسن العقاب بكلبه(سليم) وبخاصة رحلتهما اليومية لاطعام الكلب الذي اجبر صاحبه علي ابقائه بعيدا في احدي جولاته القضائية مع الاهالي، ضاقت المرأة بالرحلة المنتظمة سيرا علي الاقدام، فعبرت عن تبرمها علنا وكلفت احد اقاربها ان يبلغ حسن رسالة واضحة:(يا أنا... يا الكلب يا حسن.) وحين بلغ المرسال الرسالة اليه جاء الرد بلا تردد انه يختار الكلب!! فصار الاطفال يسيرون خلفها في الحلة هاتفين: (الكلب الكلب ولا أم قدوم.**). كانت للكلاب مع حسن العقاب حكايات تروي، فهو يطلق عليها اسماء حسب المناسبة التي تصادف التسمية وينادي الكلب باسمه كما ينادي الناس بعضهم بعضا،اطلق اسم (كولن باول) علي أحد كلابه حيث تزامنت التسمية مع أحداث العراق، لكن كولن باول لم يعمر طويلا وأختفي فجأة كما ظهر. وبرز من بعده (سليم) خليفة لكولن باول، ولتسمية سليم قصة ، فقد حاول بعض خصوم حسن العقاب الإيعاز للشرطة بان الكلب مسعور حتي يتم التخلص منه بأعدامه ، ولكن رجال الشرطة خشوا من ردة فعل حسن فرفعوا الامر للقاضي الذي أمر بالتحقق من كون الكلب مسعورا أم لا فجاءت النتيجة بردا وسلاما علي حسن ومفادها انه سليم فجاء الاسم من هنا واكتفي القاضي بالزامه بربط الكلب والسيطرة عليه فقط.. وكانت الحادثة بالنسبة لحسن فتحا مبينا ونصرا كاسحا فعاد مزهوا ودبح قصيدة ساخرة ممن سعوا للتخلص من سليم. لكن فرحة حسن لم تدوم طويلا، فذات صباح جاء هو وزوجته لاطعام سليم فوجداه ممددا علي الارض بلا حراك متورم الوجه والحلق وعيناه جاحظتان حجوظ الموت،فصرخ حسن دون أن يعي بأعلي صوته:( يا أولاد الكلب....)..وهبت القرية الصامتة مسرعة نحو الرجل والكلب

!!.
صلاح الدين سر الختم علي

دنقلا العجوز27/ فبراير /

2011

*العقاب في العامية السودانية تعني البقية الباقيةولاتعني العقاب بمعني العقوبة وهناك اختلاف في النطق. والمقصود بلقب حسن (حسن العقاب) أنه من تبقي من اسرته ويرد ذلك للتصغير فالعقاب هو جزء صغير تبقي من شئ كبير.** القدوم يعني في العامية السودانية الفم الصغير.

الرجل والعصافير قصة قصيرة/ صلاح الدين سر الختم علي




كان الرجل وحيدا وغريبا عن البلدة فقد أجبرته الوظيفة_رق القرن العشرين_ كما يسميها علي الإقامة هنالك إلي حين لا يعرف إلي متي يطول أو يقصر، كان بيته كبيرا واسعا به أشجار كثيرة بداخله وقليلة في الفناء أمامه.كانت بلدة صغيرة في قلب الصحراء عطشي مغطاة بالرمال والنيل علي مرمي حجر منها.كان ينحدر من مدينة كبيرة مسكونة بالضجيج وبالحياة ومسراتها المختلفة وأراد من اقتلعوه من قلب العاصمة حيث الضجيج ونمط الحياة الذي ألفه وأحبه إلي السكون إيقاع نوع من العقاب أو الضغط علي رجل لايعرف الانحناء لغير ما يؤمن به ولا يعرف الصمت علي ما يكره.كان محبا للناس ولكن الوظيفة والبلدة الصغيرة لاتسمح له بالاختلاط الشديد بهم بل تبني بينهم وبينه جدارا سميكا لازما وضروريا.لهذا السبب ظل هو وامرأته وحدهما مكتفيان ببعضهما عن غيرهما. يفرغ من عمله فيلج بيته ويبقيا وحدهما في انتظار صباح جديد. وبمرور الوقت اكتشفا ان لديهما رفقة دائمة هي العصافير مختلفة الألوان والأنواع التي تأتي في كل صباح باحثة عن جرعة ماء من فوهة الحنفية التي تتوسط الدار أو من الأحواض أسفل الأشجار التي تمتلئ بالماء أو الطين نتيجة لريها، كانت الدار الصامتة تمسي أكثر حيوية وتموج بالحركة وبأصوات العصافير المتباينة وحركتها وهي تحلق وتحط من غصن إلي غصن.، بدأ الأمر صدفة ولكن الرجل والمرأة باتا حريصين علي توفير الماء للعصافير في أكثر من موقع بالدار ، فازداد عدد العصافير يوما بعد يوم.وكانت توجد أمام الدار شجرة سدر ضخمة مكونة من شجرتين متلاحمتين بحيث أصبح عسيرا تمييز ذلك وتمييز كل منهما عن الأخري وأمامهن كانت هنالك شجرة ليمون صغيرة تقع في المنتصف فتخفي أكثر حقيقة كونهن شجرتان وليس واحدة. وكانت خلفهن شجرة نيم كبيرة تفصل بينهن وبين السور وتتشابك أغصانها مع أغصانهن في منظر فريد.كانت العصافير بعد ان تشرب الماء تتجمع هناك فوق الأشجار الثلاث المتشابكات وأسفل شجرة الليمون بحثا عن الظل الظليل وعن ثمار النبق الخضراء في الشتاء وتخلق فوضي محببة في المكان. وحين لاحظ الرجل ذلك بدأ يجلب حبوب الذرة من السوق ويقوم بنثرها علي الأرض أسفل الأشجار الثلاث علي الأرض في شكل دائرة لإطعام العصافير ووضع أواني حرص علي تجديد ماءها يوميا.
بدأت العصافير تقبل علي الوجبة في حذر شديد وتنتظر حتي ذهاب الرجل ثم تهبط علي الارض في حذر شديد وتتناول الحبوب ثم تطير بعيدا أو بأعلى الأشجار. كانت العصافير خائفة في البدء فقد تعلمت في أعمارها القصيرة أن ثمن الثقة ببني البشر يكون فادحا في أغلب الاحوال وأنهم كبارا وصغارا يلبسون دوما أقنعة جميلة لإخفاء أفعال قبيحة ينتوون القيام بها .
لذلك كانت العصافير وهي تنقر الحب تتهيأ للطيران بسرعة وتتلفت يمنة ويسرة وتدقق النظر بحثا عن شراك خفية ومكامن أذية محتملة. في القرية كان الناس يضعون الرجل تحت المجهر كعينة في معمل ويتبادلون الهمس حول الرجل الذي يطعم العصافير والناس جياع ويذهبون مذاهب شتي في تفسير أفعاله. ثم أرسلوا اليه من أقترح عليه أن يصنع اقفاصا ليدخل الطيور فيها مؤكدين له أن تلك تجارة مربحة وأن العصافير سرعان ما تمسي أليفة عندما تجد الماء والحبوب وتتوالد بسرعة.رفض الرجل نصائحهم بصورة قاطعة وقال للرسول: أنا ابحث عن رفقة وصدقة جارية ولا أبحث عن ربح. هز الرسول رأسه في دهشة وقال للرجل في سره: الناس يستدينون ثمن لقمة العيش ومن لايدفع دينه يسجن حتي يدفع أهله ثمن حريته فكيف تطعم العصافير مجانا يا رجل؟!
وعاد إلي من أرسلوه دون أن ينبس ببنت شفة.خرجت حكايات جديدة: ( جن الرجل!!!) هكذا قال أحدهم وحلف آخر أيمانا غليظة بأنه قد رأي الطير يحط علي كتفي الرجل وسمعه وهو يحادث العصافير وهي تلتقط الحب من كفه المبسوطة وحتي القماري المعروفة بحذرها الشديد كانت تقف مطمئنة إلي جانبه.الاطفال الماكرون هزوا رؤوسهم غير مصدقين وقرروا الاستفادة من تجمع العصافير والقماري والدباس وغياب الرجل في عمله بضعة ساعات يوميا فكمنوا علي مقربة من المكان ونصبوا الشراك وأعدوا النبال وأوقعوا خسائر فادحة في رهط العصافير المطمئن. وبعد عدة أيام لاحظ الرجل أن العصافير تناقصت وأن حب العيش ظل القسم الأكبر منه يبقي مكانه دون أن يمس. فسأل عن السبب وأدرك السر فأرسل من يكمن للأشقياء الصغار ويقبض عليهم متلبسين وتوعدهم بعقاب شديد أن فعلوها ثانية وأخلي سبيلهم فاختفوا مكرهين.وعادت العصافير من جديد تدريجيا وأقام الرجل سياجا محكما حتي تنعم العصافير بالأمان..كانت العصافير في البدء مسكونة بالشكوك والهواجس وتتساءل عن سبب معاملة الرجل الخاصة لها وحين تعرضت لفخاخ الصغار تزايدت شكوكها ورفع المتشككون في نوايا الرجل أصواتهم قائلين: ألم نقل لكم أن بني البشر ليس لهم عهد ولا أمان؟ هاهو قد بان علي حقيقته. ولكن الرجل استعاد ثقة العصافير بما فعله من إجراءات لحمايتها فعادت من جديد وامتلأت الأشجار بها . ألفت العصافير الرجل ولم تعد تخافه أو تنتظر ذهابه حتي تحط علي الارض وحين يتأخر في في إحضار الحبوب تصطف العصافير علي امتداد السور وتناديه بصوت جماعي فيصحو ضاحكا ويعتذر ويقدم وجبة الصباح اليومية للمنتظرين ويملأ الأواني التي وضعها علي الارض بالمياه. كل العصافير التي تعاني من الاستهداف والشراك والنبال طلبت اللجوء السياسي إلي شجرة العصافير الآمنة واستقرت هنالك. أهل القرية تبدلت مواقفهم وباتوا يفاخرون أهل القري المجاورة بأن قريتهم هي مأوي العصافير وزرع كل منهم أشجارا وطفقوا ينثرون الحبوب ذرةوقمحا للعصافير ويمنعون النبال والفخاخ وينتظرون اليوم الذي تحط فيه العصافير علي أكتافهم. وأخذ أهل القري المجاورة يتهامسون عن قرية الأشجار والعصافير وكرامات أهلها الذين لايصطادون العصافير ولا السمك ويأكلون مما يزرعون ولا تأكل عصافيرهم الا ما يمنحونها فقط. ذات صباح ما لم يخرج الرجل لاطعام عصافيره كعادته... اصطفت العصافير علي سور البيت الكبير وفوق أعالي اشجاره ونادته ولم يخرج..أرتفع صوت عويل المرأة وتدافع الناس والعصافير من كل صوب.. كان يوما فاجعا لاينسي...خرج الناس في موكب مهيب مجهشين بالبكاء علي من علمهم حب العصافير والكف عن نصب الفخاخ لها..غابت الشمس في عز الظهيرة بغتة وغطت غيوم كثيفة قرص الشمس، كانت العصافيرتحلق فوق الرؤوس وتحجب وهج الشمس علي طول الطريق من البيت حتي تلك البقعة البعيدة من الارض حيث دفنوه..قفل الناس راجعين ولكن العصافير رفضت الرجوع معهم، حلقت العصافير بعيدا وعادت من جديد وهي تحمل حبوبا وفيرة نثرتها علي الأرض حول القبر الصغير ثم حلقت وعادت بمياه وفيرة نثرتها فوق الأرض .. خرجت الشجيرات الصغيرة من جوف الأرض ضاحكة وأخذت تكبر وتكبر وتخرج قناديلها وثمارها والندي يتجمع ويمسي بحيرات من الماء... بات القبر بقعة كبيرة خضراء وسط صحراء مسكونة بالأشجار والعصافير والقناديل.
صلاح الدين سر الختم علي
5/3/2011
دنقلا العجوز

ذات القناع /قصة قصيرة/ بقلم صلاح الدين سر الختم على


كانت مضطرة لاستخدام أكثر من قناع وقناع لكي تقوي علي مكابدة الحياة التي أتيحت لها، لم يكن ثمة مفر من الأقنعة التي تكرهها وتمقتها ولاتطيقها في وجوه الناس ولم تكن تتصور يوما أنها ستكون ممن يلجأوون الي إستخدامها، ولكنها الحياة ، تقذف بك دوما في الاتجاه المعاكس لأمانيك ورغباتك وأحلامك،كانت فتاة صغيرة مرحة سليطة اللسان قوية الحضور حيثما حلت، وحيدة لها أخ وحيد،أسرة صغيرة مثالية، أب مرح محب لزوجته وأسرته وأم جميلة الملامح ، أنيقة، باسمة، رشيقة، متأنقة، ودودة، واسعة الصلات في محيطها النسائي والأسري، لذلك كان البيت خلية نحل لاتهدأ، كان الكل يحسدهم ويغبطهم علي تلك الحياة النابضة بالحياة،كان بيتهم ينافس مسرح المدينة في حجم المناسبات التي غصت بها جدرانه الصغيرة وحجم الضحكات والابتسامات والمؤانسات التي شهدتها أركانه،كانت الحياة فيه ربيعا لم يكن أحد يظن انه سيعقبه تقلب فصول أبدا،لكن إنفجار مفاجئ لأطار سيارة مسرعة علي طريق مرور سريع كان حدا فاصلا بين حياتين، ذهبت المتأنقة الباسمة الودودة، واسعة الصلات، وبات البيت الفرح كالقبر في صمته، ذهب البريق معها،أمسي الأب شبحا صامتا وشاخ فجأة، وأنقطع سيل الزائرين،وزحف الصمت اليها والي أخيها،باتت أجمل غرف البيت الصغير _حيث كانت تتزين الودودة الباسمة وتتأنق وتضفر لها جدائلها الصغيرة الجميلة_ باتت الغرفة لاتطاق وتخطي عتبتها أمرا شاقا عليهم جميعا، فأغلقت في خاتمة المطاف وسكنها الصمت والعنكبوت والخوف من الأقتراب منها. هرولت السنين بها حتي ولجت الجامعة، لازال الأب مقيما علي صمته، شاحبا، شحيح الأبتسام والكلام، باتت هي حادة التقاطيع ،حازمة كقائد كتيبة مقاتلة،منغمسة في واجبات أكاديمية لاتنتهي، نظارتها الطبية تعطيها عشر سنوات أضافية لعمرها الحقيقي،لم تستطع كسر صمت فرضته بنفسها علي نفسها تيمنا بصمت أبيها،وحده أحمد كان قادرا علي النفاذ الي منى الباقية بأعماقها متسترة خلف صمت ونظارة وحدة طباع مفتعلة،كان يعرف بطريقة ما كيف يري ماتحت القناع فيها ويحركه، كانت تتوق الي البكاء بلا حدود علي صدره أو صدر أبيها، كانت الدموع ما تزال ساخنة وباقية في محاجر عينيها كما هي لحظة الرحيل، كانت تعرف أنها يجب أن تبكي، أن تطلق لبشريتها وحزنها العنان، فتلك هي الوسيلة الوحيدة للهروب من هوة الصمت ومن قسوة الأقنعة،كانت تتمني لو كانت أمها حية وعاشت معها محنتها فيها، لكانت أمسكتها بيديها الرقيقتين ونظرت في قاع عينيهامباشرة وقالت لها بصوتها الحلو العذب: أبكي ياصغيرتي، أصعدي فوق أعلي البنايات وأبكي بكل قوة تستطيعينها، أبكي حتي تجف الدموع وينفتح صدرك للهواء،أبكي فالقوة في الضعف وليست في التظاهر بالقوة ساعات الضعف،كم أحتجت اليك أمي،تنهدت بصوت مسموع وكان أحمد علي بعد سنتيمترات من رأسها المشغول بالأفكار والصور، ولكنها لم تبح له، أخرجت قناعها من مكان ما، وحولت دفة حديث كاد يفضح هشاشتها الي اتجاه أكاديمي لاروح فيه ولامجال لدموع وشجون، نظر أحمد اليها عميقا وهم بأن يقول شيئا ولكن هاء السكت أصابته فسكت. أنقضت سنوات الجامعة وهما في كر وفر، هو يقترب فتبتعد، يبتعد فيدركها خوف من فقدان آخر شخص ناطق يهتم بأمرها، فتقترب منه خوفا وطمعا، فتنتعش آماله فيقترب، فتمارس الاستغماية وتختبئ بقدر يبقيها تحت بصره وبعيدا بما يكفي عن رؤية دموعها حين تقترب من المحاجر.في خاتمة المطاف، هده الانتظار، فذهب ولم يعد. فغرقت في هوة صمتها، خرجت من الجامعة الي نهر الحياة بشفتين مزمومتين وانطباعات خاطئة كثيرة تحيط بها فتزيد طوق العزلة حولها ،يتجرأ أحدهم فيقترب من حقل ألغامها، فتغالب خيوط عنكبوتها وتحاول الخروج من هوة الصمت والعودة الي بحر الآخرين مجددا،لكن حصانها لايقوي علي إكمال السباق الي نهايته،يسقط الحصان حينا، ويهرب الفارس حينا، وتهرب هي حينا بعد أن يبين لها مضمون الخطاب من عنوانه، يكثر الهمس من حولها، تزداد جدران الصمت سمكا، عقارب الزمن تمضي الي الأمام وهي محلك سر، يجلب أخوها عروسا الي الدار فتصبح سيدة لها،و تبقي غرفة صاحبة الدار الأصلية مسكونة بالعنكبوت والصمت والغبار ولاأحد يجرؤ علي الاقتراب منها، تهرب هي الي غرفة منفصلة في أقصي الدار.تزداد علاقتها قوة بسيارتها وحديقتها الصغيرة التي تهرب اليها من الفضوليون، تتقدم في عملها وفي سنها، يكثر الهمس، تزداد شراسة في ردة فعلها، تهفو في داخلها الي حياة عاشتها أمها،ولاأحد يقترب من وردة ذابلة يحيطها شوك، تزداد شراسة كلما داهمها حنين الي حقها في الحياة.تنفق نهارها في ردود قاسية، وحين يجئ الليل والوحدة تخلع قناعها وتبكي حتي مطلع الشمس بلا أنقطاع ثم تصلي وتنام لتصحو بقناع يوم جديد.صلاح الدين سر الختم علي11/6 / 2012

حالة إنعدام رؤية / قصة قصيرة/ بقلم /صلاح الدين سر الختم على


وحده لم يكن يعرف حجم مايسببه لها من ألم وجراح غائرة،لم يكن راغبا في المعرفة
حتي، كانت الحياة تمسي مستحيلة كلما أشرقت شمس جديدةوكانت الدموع تتجمع قطرة قطرة في العيون الصغيرة وتمسي شلالا يهدر ويندفع نحو كون مجهول، كون منسوج من صمت الأشباح التي تتنقل في الدار الساكنة كالظلال من جدار الي جدار دون أن يراها أو يسمع أحد لها صوتا، كانت تقترب من السنة الحادية عشر في زواجها وكان قانون حظر التحدث وقانون المسافات الفاصلة والسدود والحدود يتوسع في كل يوم ليلتهم حتي الابتسامات المسروقة صباح الأعياد بينهما،كانت في البدء تظنه وضعا مؤقتا سيزول سريعا وتنفتح الغرف المظلمة وتنطلق الألسنة الضنينة بالكلام من عقالها، لكن الصمت كان يتسع والغيظ بداخلها يبلغ مداه وتكاد براكينها تنفجر فتردعها وتصرعها وتختار الصمت والصبر ،ثم لما فاض بها تركتها تنفجر،كان ذلك حين رأت بأم عينيها أبو الهول خارج شرنقته كيف ينطق ويتحدث مثرثرا وينطلق، سمعته بأذنها يتدفق في التلفونات مع كل متصلثم يعود الصمت فيرتسم، كان لايراها أبدا،كأنها لاوجود لها، كأنها قطعة من الأثاث الفخيم موضوعة للعرض ولكي تسحر العيون ولاتنبس ببنت شفة ولاتملك ان تبقي أو تشارك في الحوار الدائر حولها بكلمة أوحرف،صرخت بأعلي صوتها، قالت كل ما خطر بذهنها، أحصت كل حقوقها الغائبة وطالبت بها، وأنهمر دمعها مدرارا وعلا نشيجها، ولاحياة لمن تنادي، صمت وباب ينصفق، غياب يطول ويقصر،،باتت عصبية كثيرة الشجار وكان كلما علا صوتها طالت غيبته عن الدار وكثر تفاديه لها وزاد صمته،كان ذلك يدفعها الي حافة الانهيار دفعا ، فجربت سبيلا آخرا،جعلت الدار تموج بروائح الند والبخور والدخان وتأنقت كأنها ليلتها الأولي وباتت تحادثه همساوترسمه في خيالها ناطقا متدفقا بالحيوية جائعا الي الحنان فتحدثه عن حبها له وعن أنه فريد عصره في الرجال وأنهاتسمع كل ما يريد قوله وتعرف حجم مشاعره، تنصب كل شراك الأنثي وتمضغ كل أنواع الحنظل كي تحصل علي المفتاح الضائع،لكنها تدرك في خاتمة المطاف أنها تخاطب صخرا وتلهث خلف سراب حسبته ماء،فيغشاها التصحر ثانية وتصفر أوراقها ويعتري الوجه شحوب وتصيبها هاء السكت فتسكت، فليصمت وسوف أصمت لنر من ينطق أولا؟ لكنها لاتستطيع الجري الي آخر اشواط السباق، فتنفجر من جديد كمطر أواسط الخريف هادرة غاضبةوتنفتح ابواب الدار لوساطات الأهل وهي تشكو وتعيد الشكوي، تنعقد المجالس وتنفض والصمت مقيم والتجاهل غصة تنغرز في حلق أنوثتها، تتساءل مع نفسها : (تري لم يعاقبني هذا الرجل هذه العقوبة القاسية؟ 
(لم يعيدني الي عصر الجواري ؟لم اختارني زوجة؟ليجلدني بصمته؟ترسمه أمامها في لحظات الوحدة القاسية كالأشواك غي اقدام حافية وتصرخ في وجهه المتوهم:
لست كرسيا ولاجدارا في بيتك الكئيب،لماذا تبفيني وانت لاتحادثني ولاتنظر في وجهي حتي في لحظات):السجم والرماد التي ربطتنا باولاد ليتنا لم نخرجهم لهذا الصمت؟علي ماذا تعاقبني؟ كن رجلا وانظر في عيني ...لاتخرج..لاتهرب ككل مرة...اكرهك اكرهك......) ثم تنهار باكية للمرة المئة بعد الألف ويصطفق باب ويرتد الصمت لموضعه
ويبقي لايراها أبدا وتبقي تبحث عن السبب..صلاح الدين سر الختم علي17 اكتوبر 2012


Friday, August 23, 2013

الرمال والعنكبوت /قصة قصيرة بقلم/صلاح الدين سرالختم على



الرمال والعنكبوت


كان مشهدا وحيدا متكررا في ذاكرته يحاكي في قسوته لسعة السوط علي ظهر عار،كانت الصورة التي تبقت من أخيه هي صورة غائمة لرجل ينتزع أقدامه بصعوبة من براثن الرمال محاولا الوقوف والسير ثم ينكفئ علي وجهه بشفاه متشققة علي الرمال ، يسكن الجسد النحيل قليلا ثم ينهض من جديد مترنحا مصرا علي المسير ثم يسقط من جديد،وفي المرة الاخيرة طال السقوط وهمود الجسد وهو يوغل في سيره إلي الامام خوف ان يدركه ما أدرك أخيه قبل الوصول إلي ملاذ آمن. كانت الصحراء مترامية الاطراف أمام الأعين وليس ثمة أثرللحياة في كل الاتجاهات... فقط تلال من الرمال الذهبيةالمتعرجة وأزيز رياح عاتيات يصرخن كأنهن مردة من الجن تلهو باجساد الضحايا الصغيرة وتصب علي وجوههم وشفاههم جام غضبها.ليس أمامهم سوي المسير إلي أمام ليسوا واثقين انه أمام أم خلف...كانت تلك الرحلة قد بدأت بالبحث عن الحياة الأفضل وانتهت إلي التشبث بأمل ضئيل في البقاء علي قيد الحياة والرجوع من الغنيمة بالأياب. بدأ كل شئ حين تحدث مفرح معه عن ضرورة الهجرة حين كانا في بادية كردفان حيث مراتع الطفولةوالصبا، قال له مفرح وعيونه تلتمع ان ثمة حياة أخري غير حياة امتطاء النوق والبحث عن طعامها عبر مسارات باتت ملئية بالمخاطر والموت الكامن في بنادق النهابة وعصابات القبائل المسلحةوبنادق المتمردين علي الحكومة،كان هو أكثر حذرا وأقل رغبة في المخاطرة ولكن حسب الله سمسار المهاجرين الذي افرغ القري من شبابها ظل يطاردهما بمعسول الكلام والوعود حتي ألفيا نفسيهما علي ظهر عربة لاند كروزر عتيقة تنهب الطريق بهم إلي (نيالا) بعد ان حصل حسب الله منهما علي خمسمائة جنيه عن كل رأس واقنعهما بأن الرحلة إلي ليبيا عبر الصحراء اسهل من شراب الماء، كانت العربة تكركر وهي تتوقف في القري عبر الطريق لتجمع المزيد من النقود والحالمين بالهجرة. في (نيالا) استلمهم رجال اشداء حملوهم عبر الصحراء إلي غابة تقع بالقرب من (كتم) حيث انزلوهم في حراسة مشددة وبعد يومين من المبيت في العراء اشرفوا علي حشرهم بالمئات علي ظهر شاحنة مرسيدس ضخمة فاضت بحمولتها وضاقت فاجبروهم علي صناعة طايق ثاني للعربة بقطع جذوع الاشجار ورصها فوق حواف العربة فوق رؤوس من بداخلها لكي تحتمل حمولة اخري فوق السطوح المصنوعة ومن ثم انطلقت العربة بحمولتها صوب الصحراء تتبعها عربة لاندكروزر صغيرة بها مجموعة مسلحة. بعد مسيرة طويلة في الصحراء توقفت الشاحنة تماما نتيجة عطل ما وتدلي السائق منها وبعد عدة محاولات اعلن انه سيعود بالعربة الصغيرة لاحضار اسبير للشاحنة واختفت العربة الصغيرة .وبقي ركاب الشاحنة وحدهم ليواجهوا مصيرهم... مئتان وخمسون رجلا بحوزتهم ماء قليل وزاد شحيح في صحراء قاحلة بجوار عربة متعطلة.
تناقص الماء والزاد والسائق لم يجئ كما وعد والطريق ليس مطروقا ولا يوجد أثر للحياة، المتشائمون قرروا ان الافضل هو التحرك بلا ابطاء لان الواضح انهم تركوا للموت ولن يأتيهم أحد، البعض قال ان الحكمة أن يبقوا حيث هم حتي لايتعذر أنقاذهم، وفي الاخير وبعد ان لم يبق سوي الماء الموجود بالسيارة نفسها لتبريد الماكينة بدأت مجموعات تتحرك للنجاة بنفسها...كان علي ومفرح في أحدي المجموعات الباحثة عن النجاة،ساروا بجنون وحماس دون اكتراث بالزمن والمسافات او بمن تساقطوا في الطريق فلم يكن ثمة مجال للتوقف، فقط حين سقط مفرح لم يستطع علي ان يتركه فعاد اليه واسنده علي كتفه وعاونه علي المسير وحين وهنت قدماه وسقط أرضاحمله علي ظهره وسار به اقصي ما أستطاع ثم لم يعد الجسد قادرا علي السير بما يحمل، أخذ هو نفسه في الترنح ولكنه صم أذنيه عن صوت أخيه الخافت الذي يطلب منه ان ينجو سعد فقد هلك سعيد، لم يتخيل أبدا ان ذلك ممكن الجدوث، وظل يحمله ويسقط وينهض وهو عازم علي عدم التخلي عنه،ولكنه أيقن في النهاية ان من المستحيل ان ينجوا سوية فاذعن لهمس اخيه وواتته شجاعة التقدم علي أمل ان يلحق اخيه به كما وعده....ولكنه ظل يسقط وينهضيسقط وينهض.... ثم سقط ولم ينهض مرة أخري..... ظل هو يلتفت إلي الخلف والمسافة بينه وبين أخيه تتسع حتي لم يعد ير سوي الرمال ولم يعد يسمع سوي صوت عويل بداخله يمده بطاقة خارقة تعينه علي المسير قدما.


صلاح الدين سر الختم علي


28/ مارس/2011 
قصة واقعية من السودانكردفان: اقليم كردفان في السودان يقع في غرب السودان بين دارفور ووسط السودان.وعاصمة الاقليم الابيض ويشتهر الاقليم بحرفة الرعي وبه ثروة حيوانية ضخمةوقبائل رعويةمشهورة برعي المواشي والابل.
النهابة: يقصد بذلك محترفي النهب المسلح من اللصوص وهم منتشرين في دارفوروكردفان.نيالا: حاضرةوعاصمة اقليم جنوب دارفوراحد اقسام دارفور.كتم: مدينة كتم تقع في ولاية شمال دارفور وهي قريبةمن الحدود الليبية السودانيةوالتشادية السودانية.(القصةمبنية على احداث واقعية عايشها الكاتب اثناء عمله قاضيا باقليم دارفور)


Monday, August 19, 2013

أطفال ولكن! / قصة قصيرة/صلاح الدين سر الختم على


كان احمد دمبارة طريحاً علي بساط أحمر قان من دمه وهو يئن في هجير لافح وبندقيته مرمية علي مبعدة منذ طارت من يده عاليا كحمامة وسقط هو وتعالي دوي الانفجارات واستحال المكان كتلة حمراء من اللهب، أرتطم شئ ما بصلبه بقوة فصرخ بأعلي صوته من الألم ، كان شئيا يشبه عبور لهب من النار بداخله،طار مثل بندقيته وارتطم بجذع شجرة محترقة وسقط علي الارض. هناك في المنطقة الفاصلة بين الموت والحياة مرت حياته بذهنه كومضة خافتة،لمعت قريته الصغيرة بريفي (الطينة) في الذاكرة أكواخا صغيرة من القش وسط بساط أخضر ورمال ، وجه جدته النحيلة الفارعة الطول ملتمعة العينين وهي تمتطي حمارها المحمل بقش اصفر شاحب وأسنانها البيضاء تلتمع، يتداخل وجه جمل يمتطيه والده ويهتم به أكثر من اولاده، كان ثمة شبه بين وجه الجمل ووجه جدته، شئ ما في العيون يبدو مشتركا، شئ ما في االقدرة علي الاحتمال يبدو مشتركا، كان ابيه يحكي عن جمله قصصا اقرب إلي الخيال، عن لصوص واجههم معه وعن حروب قبلية خاضها معه وعن قدرته علي معرفة الاخطار الكامنة وكيف انه يميز صوت السيارات ويعرف الاختباء منها وكيف انه كان يكفي ان يصفر بشفتيه فيأتيه راكضا كالسهم ويحمله بعيدا من وسط الاعداء،ويتذكر احمد صديقه اب قرشين ذي البنية الضئيلة، لايعرف احد في القرية اسمه الحقيقي ولا سبب تسميته ولايستنكر هو علي أحد مناداته بذلك الاسم،كان رفيقا دائما لاحمد في رحلاتهما سويا مع بهائم اهلهم بحثا عن مرعي صالح، كان الرعي مخاطرة اكثر من مخاطرتهما الحالية، الاودية والصحاري ملئية بالاخطار والعيون الكامنة ومن تغفل عينه عن ماله أو عن نفسه يهلك، هكذا قال لهم الكبار: ناموا وعيونكم مفتوحة!! قال اب قرشين ببراءة: وكيف ننام وهي مفتوحة؟ لم تجبه سوي ضحكات ساخرة. ولكن القرية لم تدم لهما طويلا، عادا ذات يو م من رحلة رعي طويلة إلي القرية فلم يجدا سوي أرض محروقة يتصاعد منها الدخان وتحوم حولها الغربان، حيوانات نافقة واعواد متفحمة وأواني محترقة ودجاج مذعور،ليس هناك أثر للحياة التي كانت،جالا في المكان طويلا ولم يجدا شئيا. فقط شئيا واحدا استطاعا تمييزه، كان جمل والده ممددا جثة هامدة تحتل حيزا ضخما مثلها وكانت أحشاؤه بارزة والذباب متجمعا فوقه لايزال كأنه متجمع فوق أناء طعام, كانا لايزالا في الثانية عشر من عمرهما حين باتا بلا بيت ولا اهل بهذه الطريقة ، ركضا أبعد ما استطاعا عن المكان ولم يتذكرا البهائم الا بعد ان بات المكان لايري لهما، لم يكن بوسعهما الرجوع او التمهل فقد كانا يدركان بخبرتهما القليلة أن من فعلوا بأهلهم ذلك ليسوا بعيدين وأنهما أذا لم يلزما جانب الحذر هالكان لامحالة، كانت تطوف بمخيلة كل منهما عبر حكايات الجدةوالاهل صور اطفال بقرهم المهاجمون بالحراب وعن أطفال قطعت أيديهم وجعلت أداة لضرب النوبة* المصنوعة من الجلد، فتحسس كل منهما عنقه ويده دون ان يشعر ونظر كل منهما للاخر وقد ادرك ماجال بذهن رفيقه دون كلام و أطلقا ساقيهما للريح وهما يتلفتان يمنةويسرة وخلفا واماما. كان مكتوبا لهما ان يعيشا وان يبلغا( الطينة)* اشعسين أغبرين جائعين وظامئين. ولكنهما باتا بامان. فالطينة ليست ارضا معادية وقد تمكنا من الالتحاق بالعمل في قهوة تقدم الطعام والشاي والقهوة ومكانا للمبيت للهاربين من الحرائق.بدت الحياة تبتسم وصار احمد دمبارةواب قرشين من معالم الطينة ولكن كل شئ سرعان ما تبدل حين وقفت ذات يوم عربة زدواي صفراء اللون أمام القهوة ونزل منها رجال يلبسون زيا عسكريا، ركض بعض رواد القهوة بعيدا واطلقوا سيقانهم للريح وركض خلفهم بعض من كانوا بالعربة ولم يفهم اب قرشين واحمد شئيا الا حين اجبرا علي الركوب في العربة وتحركت العربة بهما مع اخرين فعلموا ان العربة تقوم بجمع الشباب للانضمام إلي حركة التحرير من الحكومة. همس اب قرشين في أذن احمد: اخيرا سيكون لي بندقية. لم يرد احمد . انتهت الرحلة وسط غابة صغيرة، ثمة عربات مسلحةورجال مدججون بالسلاح ووجوههم ملثمة ومغطاة بالغبار. كان ثمة قدور علي نار وثمة ضجيج وضحكات وكأن المكان دار عرس أو عزاء. وهكذا صار احمد دمبارةواب قرشين جنودا في حرب لايعرفا عنها شئيا الا انها ضد من أحرقوا قريتهما وان الحكومة معهم. لكن اب قرشين لم يحصل علي بندقية كما اراد ، فقد اوكلت اليهما مهام مماثلة لمهامهما في القهوة من صنع للطعام والشاي مضافا اليها مهام أخري مثل نقل للجرحي والقتلي اثناء الاشتباكات علي نقالات خشبية إلي عربة الزدواي التي تستخدم في نقلهم إلي مكان بعيد، كانت الايام الاولي قاسية جدا خاصة عيون الموتي حين نكون نعرفهم قبل موتهم كما قال له اب قرشين كانه قرأ افكاره.

يتذكر احمد الآن عيون اب قرشين بعد موته ... كم كانت عيونك باكية يا صديقي وكم كان موتك قاسيا وفاجعا؟! تري من سيري عيني حين أموت؟

تري هل رأي احد عيني أبي حين مات؟!!

صلاح الدين سر الختم علي

1/4/ 2011

* الطينة مدينة حدودية سودانية تقع في شمال دارفور علي الحدود السودانية التشادية * النوبة: اداة تصنع من الجلد وتستخدم كطبل لاستدعاء الجنود للحروب القبلية وتستخدم وقت السلم كاداة موسيقية.

الرائحة /قصة قصيرة/صلاح الدين سر الختم على


كانت تلك الرائحة لا تزال بيدها حيث نثرها فى الصباح ، لا تزال تتشممها بقوة كى تستعيد صورته وهو يقبلها فى جبهتها بوجهه الباسم كعريس ليلة زفافه ، كان ذلك صباحا حيث حاولت جاهدة ان تستبقيه بذرائع متعددة اولها كان دعوة الى الافطار قبل الخروج فتمنع ابراهيم عليها بلطف وهو يبتسم ابتسامته العذبة تلك ، لم تيأس وهاتف خفى يهتف بها أن تستبقيه بأى ذريعة فقالت له بصوتها الهامس (اليس لدى خاطر عندك يا ابراهيم ؟) إنحنى وقبل قدميها وهو يهتف بصدق (انتى الخير والبركة يا ام ابراهيم لا عاش من يغضبك او يكسر لك خاطرا.) ، تنهدت تنهيدة راحة عميقة وبقى هو يرمقها بوجه طفولى باسم لا يخفى حيرة بين لهفة تستبد به للخروج وبين عاطفة صادقة ترفض كسر خاطرها ، ادركت حيرته دون ان يقول ، فغالب حنان الام فيها هاتفها الخفى ووجدت نفسها تخلى سبيله بعبارة صريحة (اذهب ايها المبروك حيث شئت ، فقط لا تتأخر على الغداء ) كست ابتسامة عريضة وجهه قبل جبهتها بمحبة ثم إستدار ليمضى لحال سبيله ، لكنه إستدار ثانية كمن تذكر شيئا ، اخرج قنينة العطر الصغيرة من جيبه وأخذ يدها وضغط على مكان فى القنينة فجاءت رشة العطر فوق ظهر يدها وفاحت رائحتها فى الغرفة الصغيرة ، ثم إستدار ومضى ، وقفت هى ترقبه وهى تتمنى لو يستدير مرة اخرى فتتزود بنظرة اخرى من وجهه الملائكى ، لكنه خيب ظنها ولم يفعل ، مضى نحو قدره كجندى يمضى بثبات نحو معركته الاخيرة دون ان يدير رأسه للوراء خشية التراجع ، فى تلك الظهيرة دهسته شاحنة ولم يعد اليها ابدا ، لم يبق منه الا تلك الرائحة على كفها وفى سماء الغرفة الصغيرة ترفض الرحيل ، بينما بات ابراهيم على الضفة الاخرى من النهر .

القاهرة 12\ ابريل \

2012

صلاح الدين سر الختم علي


الشمس تنطفئ في الظهيرة/ قصة قصيرة/ صلاح الدين سر الختم على


مضي يشق الزحام كمدية وهو يتصفح وجوه العابرين علي مهل بحثا عن وجه أليف    لكن هيهات..!! كل هذا السيل المنهمر من  البشر ولامصباح يضئ في الذاكرة بوميض ما..لامست يده الورقة التي أهترأت من طول ما قبعت هنالك فأنتفض وتذكر انها لاتزال باقية تنتظر مثله الفرج بحروفها الاجنبية التي خطتها يد الصيدلي علي عجل قبل بضعة ايام بعد طول تمنع منه والحاح علي ضرورة مقابلة المريضة للطبيب ولكنها ماتزال باقية تستدعي صورة وجه حبيب كان متوردا عافية ذات يوم لكنه يزوي الان كما تزوي زهرة ذابلة من قحط وظل هو يهرول من الصباح حتي المساء كمن به مس بحثا عن فرج ولاشئ يجنيه سوي عبارات الاعذار الرقيقة والابتسامات المحايدةالتي تباري اصحابها في ابداء امارات الأسف واياديهم تربت علي كتفه في نعومة وتلك الورقة لاتزال بجيبه تبحث عمن يطلق أسرها ويحررها وما من مجيب، يصر علي اسنانه بغيظ كظيم وهو يشق جموع البشر فتفاجئه ملامح دهشة مرتسمة علي وجه حسناء عابرة من الاتجاه المضاد فيرتبك قليلا ويعود من جديد لهوة الصمت الكسيف كطفل داهمه أبوه بغتة وهو يعبث باشيائه. يغيب في خواطره من جديد فيتذكر وجه ذلك الصديق وهو يغلق حقيبته الانيقة المكتظة بأوراق النقد علي مهل ويده وهي تمسك بقلم صغير وهو يتحدث بصوت بدا باترا كالسيف وباردا كجثة معتذرا بعبارات ممجوجة لم يطق صبرا علي بلوغها نهايتها فنهض واقفا وصافحه مودعا وبدا له السلم الذي يقوده الي الضجيج قبرا خانقا مسكونا بالعتمةوالسكون وحين بلغ نهايته انفتح المشهد من جديد علي الضجيج وشئيا فشئيا وجد نفسه في قلب زحام السوق العربي وحيدا الا من معدة خاوية وجيوب خاوية الا من روشتة دواء غالي الثمن علي غير العادة وصورة أمرأةبشوشة الوجه ينهش جسدها داء لعين لايجد رادعا له وتنتظر معجزة يصعب تحقيقها بوساطة رجل فقد الوظيفة لسبب سخيف يتعلق بما يحمله الرأس من افكار وان شاء الدقة يتعلق باختيارات اختارها فيما مضي وليس عدلا ان يدفع ثمنها عمره كله لفعل انساني عادي. يفيق من تأملاته علي صراخ وضجيج غير عادي وسط الامواج البشرية السابحة في غيمة من دخان العوادم والغبار ،يرفع عينين متسائلتين فيقع بصره علي جمهرة صغيرة آخذة في الاتساع في منتصفها رجل نحيل ذو ملابس رثة تتساقط حبات عرقه كالمحموم وتدور عيناه الصغيرتان كفأر مذعور حاصره قط شرس بعيدا عن الجحر وأغلق عليه منافذ النجاة، كان القط رجلا بدينا ضخم الرأس غليظ العنق يصرخ بصوت أجش وهو ممسك بالرجل النحيل بأحدي يديه بينما كانت الاخري تتحسس محفظة محشوة بالاوراق المالية في هلع...تجمهر الناس وتباروا في توجيه السباب البذئ والصفعات للرجل ذي العينين المرعوبتين الذي بات في المنتصف تماما وعلي وجهه امارات قنوط واستسلام لمصيره وكان الرجل البدين يهدر كرجل داهم زوجة خائنة مع عشيق والرجل النحيل أكتفي بان يجعل من ساعديه حماية لوجهه وتقبل الصفعات والضربات التي تنهال عليه في سكون في بقية الجسد،ثم انفتحت الدائرة وظهر شرطي نحيف يحمل كيسا من الورق ملطخا من الخارج ببقعة كبيرة من الدم واخذ يشق طريقه بصعوبة وحزم باتجاه الرجل ذي العينين المرعوبتين اللتان تعلقتا الآن بالشرطي القادم في ضراعة بادية كسفينة مثقوبة في عرض البحر لاح لها شاطئ بعيد.. افسح المتجمهرون الطريق للشرطي الذي ماكاد يبلغ الرجل حتي هوت يده بقوة علي قفا الرجل النحيل ثم ارتفعت لتهوي مرة اخري ولكن علي الوجه هذه المرة بقسوة .. انفجر الدم من انف الرجل كما يننفجر الماء من نافورة نزعت سدادتها، مرآي الدماء انساه كل شئ فوجد نفسه يندفع نحو الرجل النازف دمه وقد نسي الورقة المكتوبة بلغة اجنبية والمرأة التي تنتظر المعجزة ، تقدم نحو الرجل النازف دمه وحال بين الشرطي وبينه بجسده واخرج منديلا باهتا من جيبه واخذ يمسح قطرات الدم المتدفقة من أنف الرجل الذي اكتسي وجهه بدهشة صادقة ، تمالك الشرطي نفسه من الدهشة ونظر اليه شذرا فتراجع هو قليلا الي الخلف واخذ يتمتم كمن يعتذر(أنه... أنه ينزف .. ألا تري الدم؟عبس الشرطي في وجهه وهو يتفحصه في ريبة وقسوة كقصاب يتفحص شاة قبل ذبحها وقال بجفاء( وما شأنك أنت؟ هل تعرفه؟ هل كنت معه؟) هم بالرد علي الشرطي ولكن ملمس الورقة المنتظرة المعجزة في جيبه والنظرة التي ارتسمت علي وجه الشرطي جعلتاه يهز رأسه بالنفي في سكون ويلقي المنديل بدمه علي الارض ويتراجع الي الخلف في خطوات مضطربة ويمضي في الاتجاه المضاد وهو لايلوي علي شئ ولم يستطع حتي ان يدير رأسه للوراء ثانية... قبضت يده علي الورقة الرابضة في جيبه بحزم واسرع الخطي حتي غاب في الزحام ، ثم رفع رأسه صوب الشمس لكنها لم تكن هناك في كبد السماء بل كان ثمة فجوة كبيرة خاوية في مكانها وكان للفجوة شكل اشبه ما يكون بفم حيوان مفترس مفتوح علي اخره وهو يهم بالتهام فريسة ما... اوسع الخطي مبتعدا ثم أخذ يركض ويركض حتي غاب تماما في الزحام.صلاح الدين سر الختم عليكتبت في الخرطومفي العام 1994نشرت هذه القصة لاول مرة في
يوم 16 سبتمبر 1996 بصحيفة قلب الشارع

عربة بلا مكابح/ قصة قصيرة/ صلاح الدين سر الختم على


كانت السيارة الفخمة تتهادي علي مهل في الشارع المحاصر علي ضفتيه بالقاذورات وجيوش المتسولين والأطفال المشردين ومعاقي الحروب وغيرها، كانت ثمة موسيقي أجنبية حالمة تخرج من جهاز التسجيل فتبدو العربة من الداخل كأنها تتمايل مع الأنغام،والزجاج المظلل يحجب شمس الخرطوم اللافحة عن بلوغ من بالداخل ولكنه لايحجب رؤيتهم لمن وما هو بالخارج،كان الوسيلة جالساً وحيدا ممسكا بمقود السيارة بأصابع رشيقة ناعمة يحسبها من يراها أصابع أنثي ولا يتخيل أبدا وجود صلة بينها وبين تلك الجثة الضخمة خلف المقود لذلك الرجل الذي يزحف نحو الستين، كان الوسيلة مشغولا بإجراء عمليات حسابية معقدة للعائد المتوقع للمشروع الذي أنهي لمساته الأخيرة قبل قليل(مشروع أرض الخير) الذي باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ،أبتسم ابتسامة صغيرة وهو ينظر إلي لحيته الصغيرة في مرآة السيارة حين تذكر تلك الابتسامة الذئبية لشريكه الوزير وهو يوقع علي الأوراق ويدفع بها الي مدير مكتبه الثعلبي الملامح، كانت الابتسامة تعني الكثير،عاد الوسيلة الي الواقع منزعجا حين لمح أحد المعاقين يعبر الشارع فجأة دون اكتراث، لعنه في سره، ورفع قدمه تدريجيا عن دواسة الوقود وداس علي الفرامل، لم تستجب الفرامل، داس عليها ثانية، لكنها لم تستجب، كانت المسافة قد ضاقت بينه وبين المعاق أنحرف بالسيارة يمنة فتفاداه بالكاد ثم أعاد السيارة الي الشارع مرة أخري،جرب الفرامل ثانية بلا فائدة فأنتابه قلق حقيقي،حاول تهدئة السرعة فلم تستجب دواسة الوقود لتعليماته، بات القلق هلعا،انطلقت العربة لاتلوي علي شئ، ظل يجاهد خلف المقود محاولا تفادى إصطدامات وشيكة بين الفينة والأخرى، يميل يمنة ثم يسرة، يدوس علي الفرامل مرارا بلاجدوى ،فالعربة صمت أذنيها عن تعليماته،أغلق المحرك بالمفتاح لكن الماكينة ظلت تهدر بلا توقف كأنه لم يفعل شيئاً ارتسم علي وجهه فزع مماثل للفزع الذي رآه علي وجوه المارة الذين غازلتهم السيارة وكادت تدهسهم،ركز جهده علي التحكم باتجاهات السير فقد كان ذلك هو الأمر الوحيد المقبول عندها،واصل الالتفاف يمنة ويسرة حتي تمكن بالخروج بالعربة من المدينة الي طريق المرور السريع، لم تتوقف العربة، ظلت الماكينة تهدر وكأنها تضحك ضحكة شريرة قاسية هازئة منه، لعن نفسه علنا حين تذكر أنه أعتاد منذ أن بات عنصرا حكوميا فاعلا ان يملأ خزان عربته الخاصة من وقود الحكومة حتي يسيل خارجا ويتدفق ، هدرت العربة وظلت تنهب الطريق كأنها تطوي سجادة عن الأرض،قال لنفسه: أي شيطان هذا الذي سكنها وأمسك بها من قرونها ؟! بزغت في ذاكرته صورة أهل الكمبو الذين كان وراء إخلائهم منه بغية بيعه الي مستثمر قادم علي متن طائرة من بلاد تموت من النفط حيتانها، تري هل هو كجورهم الذي يمسك بالعربة من قرونها الآن؟! هل هذا صوت الماكينة أم صوت طبولهم وهم يرقصون رقصة حرب بدائية ويتمتمون بتعاويذ سحرية ليحترق ويتفحم في سيارته؟!.....بكي بصوت مسموع وحاول عبثا التحرر من حزام الأمان ليقفز من السيارة المسرعة، لكن الحزام بات عصيا على أياديه بات ممسكا به بقوة كأنه جزء أصيل من مؤامرة إحراقه حياً الافتراضية، بكي وأخذ يتمتم بما يحفظ وماتبقي في ذاكرته من آيات القران في هلع جعل الكلمات تختلط،ازدادت السرعة وعلا هدير الماكينة، غشيته سكينة مفاجئة فسكن في مكانه واشتعلت ذاكرته بالصور المتدفقة، مر أمام عينيه شريط حياته كاملاً في تلك اللحظات، أدرك في الحين واللحظة فقط أنه طوال حياته كان عربة بلا مكابح، بلد وزراً غاضباً من بلدوزرات البلدية التي تجيد الاستئساد على الفقراء وبيوتهم الطينية وتقف عاجزة أمام القصورالمنهوبة أرضاً وعمارةً وسيارات راضعات من وقود الحكومة بلا حساب،لمعت في شاشة ذاكرته توسلات تلك الفتاة التي ألقي بها فقرها تحت عجلاته، داس عليها بلا رحمة،كان أصماً وأعميً ووحشا لاقيود ولامكابح له حينها،شراستها لم تزده إلا شراسةوشهوة،يتذكر لحظة انكسارها وسكونها الذي يشابه سكون الموتي،أتراها هي التي تمسك بالعربة من قرونها الآن؟!تتابعت وجوه كثيرة في شاشته:وجوه اولئك الذين أعدموا بناء علي تقرير كذوب عكف ليال علي نسجه من خياله مضيفا اليه وقائع تقود الي أعدام حمامة غشيت مورد ماء في وقت وردت الماء فيه خيول يشتبه أنها للأعداء، ثم وجه ذلك الخمسيني الذي أنتحرفي بيت مستأجر لأنه لفق له تهمة رشوة حتي يزيحه من الطريق حين بات سدا أمام نهر أحلامه،ثم لمع في الشاشة وجه ذلك الموظف الذي كتب فيه مالم يكتب مالك في الخمر فظل يتنقل مجبرا بين المدن والقري بغية إجباره علي الإستقالة، كانت حقائب الرجل التي ملت الرحيل فيما يبدو هي التي منعت المكابح العمل، فصرخ الوسيلة متوسلاً: (إعطني فرصة سيدي وستعود حقائبك الي مكانها، سأكذب نفسي علنا،...) كان صوت المحرك أعلي متخذا شكل ضحكة طويلة هازئة، يغيب وجه الموظف حامل حقائب الرحيل ويملأ الشاشة وجه ذلك الذي دس له الوسيلة مجموعة محترمة من قناديل البنقو في حقيبته وأردفها ببلاغ من مجهول حادب علي الوطن ،فبات الرجل محكوم مؤبد كاذب في سجن لانوافذ فيه. وتتابعت الصور والوجوه والقصص فصرخ الوسيلة بجنون: (حكمت المحكمة عليك بالسجن المؤبد في جوف الطريق....حكمت المحكمة عليك بالتأمل العميق بلا رفيق في عربة بلا مكابح علي طول الطريق) ثم أخذ يقهقه بلا توقف ولامكابح...كانت العربة تسير الآن بجنون متجهة الي الضفة الأخرى بصيدها الثمين، كانت الموسيقي الاجنبية وبرودة جهاز التكييف يختلطان مع قهقهة لاتتوقف، بغتة ارتفعت العربة عن الأرض تدريجيا، لملمت عجلاتها كما تفعل الطائرات عند الإقلاع ووثبت كقطة ماكرة صوب الهاوية علي جانب الطريق، ثم دوي الإنفجار، وتصاعد اللهب. .صلاح الدين سرالختم علي8/9 مارس 2013 مروي/الخرطوم