Thursday, February 6, 2014

( نهر دموع) قصة قصيرة صلاح الدين سر الختم على


ابتسمت فى وهن ، كانت رائحة العقاقير النفاذة تخترق أنفها بقوة، الممرضات الباسمات دوما يتنقلن فى سكون مثل الأشباح والأطياف، الجدران البيضاء تبتسم فى وهن مثلها، الأسرة البيضاء، الملاءات البيضاء، زى الأطباء، الحامل الأبيض والأنبوب الشفاف المتدلى منه ، النقاط الصغيرة التى تتوالى فى عنقه متجهة الى حيث تنتهى بجسدها فى ذراعها، المروحة التى تدور بلا كلل كأنها تنفذ حكما يقضى بالدوران الى الأبد، كومة الأوراق التى تطل منها حروف أجنبية تصف داء ودواء،تهمس بكلمات أمل دنقل( كل هذا البياض يشيع بقلبى الوهن، كل هذا البياض يذكرنى ببياض الكفن) كانت ترى بين اليقظة والأحلام عوالما بعيدة غامضة،تلمع أمامها وجوه عديدة، بعضها تعرفه وبعضها لاتعرفه، وجوه صامتة، أخرى شاحبة حتى تكاد تتكسر من قلة الدم الجارى فيها، بعضها وجوه وضاءة منيرة كهالة ضوء، ترفرف حولها حمائم بيضاء فى سماء زرقاء صافية،فتبتسم،وثمة وجوه أخرى غاضبة من شئ ما، تتقافز حولها قطط سوداء لها عيون لمعة تتوهج شرراً، تكاد تنطق، ثم تفرد مخالبها فجأة فى وجهها، فتنهض من نومها مفزوعة تتصبب عرقاً، تتمتم بآيات القرآن بلا توقف وهى تتحسس عنقها ووجهها بيديها الصغيرتين فى هلع،تهدأ قليلا، لكن أنفاسها لاتزال متسارعة لاهثة، تلمس يد ما جبهتها، فتنتفض، تفتح عينيهاببطء، تجد وجه أمها كسماء صافية أمامها،فتبتسم وتتنهد تنهيدة راحة،تبتسم الأم،تتمتم بشئ ما، ثم تضمها الى صدرها وهى تتشمم شعرها بقوة، يسترخى جسدها، تعود طفلة تهدهدها أياد حانية مصحوبة بصوت دافئ كالحليب حتى تنام. وحين تفيق تسمع زقزقة عصافير بعيدة، تلمح الممرضة ذات العيون الواسعة والخصر الدقيق مشغولة بازاحة الستائر عن النافذة، يتسلل ضوء الشمس، تلتفت الممرضة ، تبتسم فى وجهها، تقبل نحوها، تضع يدا دافئة ورقيقة على جبهتها، تبتسم، تقول شئيا، تستدير لتمضى، تلمح دموعا فى عينيها، تعود مفزوعة، تضمها بحنان، تجوس بيدها فى شعرها،تبكى بلا توقف،تبكى الممرضة، تتوهج الشمس، تحمر العيون الجميلة.تستدعى أمها من ردهات الغياب الطويل، فلاتجئ، فتضم الممرضة اليها بقوة، تستدعى الممرضة أختها من ردهات الغياب الطويل، فلا تجئ، فتضم المريضة اليها بقوة. تتجه الشمس نحو الغروب رويدا رويدا، ثمة شبحان متعانقان فى غرفة بيضاء، وشمس تسقط فى النهر عند الأصيل، فتكتشف أنه نهر من الدموع.
صلاح الدين سر الختم على
مروى

17 يناير 2014