Thursday, September 19, 2013

حصار /قصة قصيرة/ صلاح الدين سر الختم على


كنت محاصرا بالأحلام... وحيدا.. دائم التوجس.. ينتصب شعر رأسك اذا طرق الباب.. لاتتوقع خيرا في هذا الزمان .. تفتح الباب نصف فتحة وتجعل جسدك مائلا الي جانب وغير مواجه للباب الموارب خوفا من الطلقات التي ربما تعقب فتحك للباب! تجد احد الاصدقاء هو الطارق فتشعر بالاطمئنان قليلا وسرعان ماتعاودك الهواجس.. لربما كان عدوا مرتديا قناعا.. وربما استمالوه بالحراب او النقود،سيدلهم عليك وتأتي فرقة الاعدام متشحة بالسواد.. وربما كانوا بالأسفل ينتظرون إشارة الصديق الغادر لبدء الهجوم،تمد يدك للسلام وآذانك مرهفة وعيناك قلقتان تدوران في محجريهما  .. يسقط قلم الصديق عند المصافحة... فتقفز فزعا: " للأقلام أحيانا دوي الرصاص وللحقائب طعم الرحيل وللأوراق فحيح الافاعي وخشخشخة الثعبان في أوراق الاشجار الجافة"لملم اشيائك الصغيرة الآن، فقد آن الآوان.. خذ فرشاة الأسنان وأطو رأسك كما تطوي الجريدة وضعه في قنينة الخمر الزجاجية وتقيأ كل ما قرأت من قصص الغرام وأبحث عن هويتك الملقاة  في إحدي الزوايا وواصل رحيلك في الرحيل... تحتاج فنجانا من القهوة .. وكسرة خبز  وحضن إمرأة لا تجيدسوي الاستماع ولا تهزأمن ضربات قلبك المتلاحقة ولا تنفرمن قطرات العرق التي تغطى كل مسامك.. وتحادث نفسك: احتاج طفلة باسمة ولوزة قطن..
: صادقت الشماسة حينا من الدهر...كنت اسألهم : كيف تقتاتون؟ وأين تنامون؟
يقولون ببراءة فظة :تبدأ رحلتنا الصباحية في عالم ليس لنا
نتحاشي رجال الشرطةومباني البنوك والمتاجر الكبيرة
نقتات ما تبقي من موائد المطاعم الشعبية
ثم نتجول في الشوارع وأعيننا علي الارض.. ربما نجد مالا مهجورا مثلنا أو ضائعا
ربما نجد ما يصلح للأكل أو البيع أو المقايضة
نفترش الارض ليلا
وننام بعيدا عن البنوك والشوارع التي تصحو باكرا
تذكرت حينها حديثك يا صديقى:
ابدأ رحلتي الصباحية
أجول في الاسواق
بحثا عن الصحاب وعن الوظيفة وما يسد الرمق
أتحاشي رجال الشرطة
وأبحث في الشوارع عن كنز منسي
أو معجزةأو صديق يعطينى أو يقرضني شيئا
أعودالي داري تتبعني جيوش الدائنين والمخبرين
ولا أنام!!

ديسمبر   (1995)
نشرت بصحيفة قلب الشارع بتاريخ 9/12/1995

Monday, September 9, 2013

القرا ر/ قصة قصيرة/ صلاح الدين سر الختم على


كان قد عقد العزم علي ان يضع لكل شئ حدا في ذلك اليوم، فقد فكر كثيرا ودرس الأمر بعناية وأتخذ قراره بحكمة متناهيةالي درجة انه استحسنه وتنهد بارتياح واسترخي في كرسيه الوثير مطمئنا عندما بلغ تفكيره منتهاه، ولكن بغتة من العدم خرج الكابوس من مرقده وفاجأه خاطر مزعج: ربما يكون هذا أمراً قاسيا عليها؟...لا .لا..لست انا.. لكن صوتا آخرا قال له بحزم:وليكن ما يكون فالعلاج احيانا يكون بالكي واحيانا اخري بجرح جديد. عندها رجع بذاكرته الي سنين خلت وتساءل تري هل كان بمقدوره ان يتخيل مثل هذه الخاتمة في تلك الايام؟..مستحيل.. كان حينها وحيدا وريفيا فقيرا جاء الي العاصمة عبر بوابة العلم ولم يكن يملك سيارة فارهة ولا سعاة مهرولين ورصيدا متزايدا في بنك ولا شركة يلتمع اسمها في لافتة مضئية، كان كل رصيده عقلا يختزن المفردات والمعلومات بقدرة مدهشة وكان لباسه بنطالا باهتا يتعذر نسبته الي اي فصيلة  وكانت كل ثروته دراهم قليلة تأتيه ملطخة بوحل الحقول مضافا اليها اعانة الجامعة للطلاب الفقراء ..وكان حريصا اشد الحرص علي الا تفوته وجبة من وجبات الداخلية لان النتيجة تكون وخيمة عليه وهي اما حرمان تام للنفس اوحدوث اخلال عظيم بالميزانية يجره الي دائرة الاستدانة.وكانت هي تنتمي الي عالم آخر مغاير تماما، عالم بلوري لامجال لدورة البلهارسياوباعوض الملاريا والنمتي لاختراقه أو الوقوف ببابه فهو عالم يصحو علي مجد تليد وعز متين لايعرف صفوف المواصلات ووهج الظهيرة اللافح ولم يسمع من ينتمون اليه بان اللوري الذي يكركر في الشوارع كرجل عجوز وهو مكتظ بالبشر والبصل والبضائع واحيانا البهائم هو وسيلة للمواصلات عن السواد الاعظم، هو عالم لم يكن واردا ان يتقاطع مع عالمه ، لكن الجامعةفعلتها فتلاقي متشقق الاقداموصاحبة الثروة المتوارثة في مدرجات الجامعة، كان يبتعد في حذر وكانت تقترب منه في اصرار فيقول لنفسه سرا(حين يلتقي القمر والشمس يمكنني ان افكر فيك) ضحكت وقالت( الفقر لايعيب احدا.. الفقر والغني مشاهد عابرة في شاشة عرض متجددة، ما يعيب الرجل هو انعدام الطموح.)كانت تقولها باهتمام في سياق عام لاحاديث كثيرة لكن المغزي لم يفته...رد بذات الطريقة(قال غسان كنفاني بنبرة حازمة (عالم ليس لنا)وصدق قوله فبعض العوالم ضيعة خاصة لها مفاتيح خاصة ولامجال لكسرها او القفز فوق الاسوار.)ولكنها كانت من تلك الطينة من البشر التي لاتستسلم أبدا ولاتلقي رايتها
فظلت تثابر وتحاصر وتدفع الوساوس بعيدا حتي ذابت الصحاري في المنطقة الوسطي بين الحقول وغابات الاسمنت والتقي العالمان أخيرا وظلت هي كموجة بأعلي النهر تدفعه الي الاعلي والي الامام كلما وهنت له عزيمة أو خارت له قوي حتي جاء الاطفال: بنت كالقمر ثم ولد عنيد مشاكس كأمه ،وكانت الموجة تدفعه الي الامام بمالها ومحبتها وافكارها وطموحها حتي فاق ابيها ثروة ونفوذا وخلع جلده المثقل بهراوات وسياط ولسعات باعوض وشموس ومشاوير مضنية، مضت الحياة مبتسمة له ذات ابتسامتها وبفضلهاصار فيما هو فيه مركز مرموق وقصر منيف وجيوش خدم وسيارة رابضة كالأسد.
افاق من تأملاته علي صوت الباب وهو يفتح ودلفت السكرتيرة الحسناءالي الداخل وعلي فمها الصغير ابتسامة مشعة كاشفة عن أسنان صغيرةبيضاء كالحليب 
وضعت ما تحمل من أوراق علي سطح المكتب الانيق ودارت حتي أمست خلفه تماما وطوقت عنقه بانامل طويلة ودقيقةوهمست بصوت خافت( لا تنس.. الليلة..الليلة ينتهي كل شئ.. اليس كذلك؟ ) يجيبها بشرود وأحساس غامض بالذنب يطوقه( نعم.. الليلة )ويسرح في البعيد.. يتذكر كيف بدأ كل شئ .. زواج سكرتيرته السابقةالتي امضت سنين في خدمته والفراغ الذي احدثه رحيلها بعيدا مع زوجها.. حيرته ثم بدء البحث عن بديلة لها عبر معاينات كثيرة، الوجوه الكثيرة التي يعلوها امل بالظفر بالوظيفة، وجه سلوي الشاحب وملابسها البسيطةالتي لاصلة لها بما ترتديه الان،.تلك الضراعة البادية في عينيها التي تحاكي ضراعة غريق يتشبث بلوح مكسور في عرض البحر،.لعل تلك الضراعة وذلك الهندام الباهت هو ما شده اليها وجعله يختارها من دون كل المتقدمات...ولكن سرعان مابات الحمل الوديع أسدا وأمست القطة نمرا ووجد نفسها في أتون علاقة ملتهبة تريد ان تقضي علي كل شئ وتستخلصه لها وحدها..كان منجذبا بقوة سحر غريب لايقاوم..أفاق فجأة علي يد سلوي وكلماتها الرقيقة ليدرك انه رجل خمسيني مرغوب فيه وان سنوات قحطه السابقة التي قضاها منغمسا في عمله كالثور في ساقية لاجدوي منها ان لم تعوض وان لم يعط نفسه بعض حقها.
كان وجه مريم يملأ فضاء المكتب عليه وهو يتناول حقيبته ويضع بداخلها بعض الاوراق وكان عطر سلوي لايزال يحتل المكان ويملأ خياشيمه ويجعل وجه مريم يغيم ليحل وجه سلوي مكانها رويدا رويدا، تناول الحقيبة وخرج في صمت وعبارة وحيدة ترن كطبل في أذنه( الليلة ... ينتهي كل شئ....)
السيارة تنهب الطريق في عجل في رحلة العودة وحسن غارق في تأملاته:كيف ستتلقي مريم النبأ؟ أتنهار باكية؟.... لا..لا.. أكثر ماتكره مريم هو الضغف...تري هل تسبه بصوت جهير وتنعته بأنها هي التي جعلت منه بشرا تهوي اليه افئدة بعضهن؟.... لا...لا....
والاطفال؟!....مالهم؟ هو أمر لايهمهم..ولن يدعهم يحتاجون شيئا..يتعلمون في أحسن المدارس ويأكلون احسن الطعام ويسكنون بقصر أبيهم وسوف اجئ اليهم بين فينة وأخري...لايكفي!!! .. كفي كفاني تفكيرا...أدار مذياع السيارةبأعلي صوت لكنه لم يطرد الافكار التي تهطل كالمطر وتتدافع كالسيل.. أخيرا توقفت العربة امام المنزل.. وقادته خطواته حتي البوابة... ضغط علي زر الجرس وانتظر قليلا.. ثم أعاد الكرة وبدأ القلق يعصف به...لماذا تأخروا؟ لماذا لم يتدافع الاطفال كما يفعلون عادة عند أوبته؟
وفجأة انفتح الباب علي مصراعيه دفعة واحدة وفي ذات اللحظة صدحت موسيقي صاخبة مصحوبة بضجيج واندفعت نحوه وجوه كثيرة ضاحكة في بشر وترحاب وفي منتصف الجوقة تماما كانت مريم مرتدية فستانا ابيضا أذياله تجرجر في الارض...الجمته الدهشة وتقدمت مريم نحوه مبتسمةوهي تهمس( الليلة... الليلة.....) صمتت وأستجمعت أنفاسها وواصلت الهمس
( الليلة ..عيد زواجنا..)
أطرق هو في صمت ونكس رأسه نحو الارض وسقطت الحقيبة من يده أرضا وانهمرت الدموع وهو يضم مريم
ويجهش باكيا وهو يتمتم في سره لصورة مشوشة:
 (الليلة . . إنتهي كل شئ ولن تعودي أبدا)
صلاح الدين سر الختم علي

***القصة نشرت لاول مرة بصحيفة قلب الشارع
العدد رقم 153 بتاريخ 3/يناير/ 1996